السيرة الذاتية كلمة المشرف أعمال المشرف

إجعلني الرئيسيةتواصل معنااللغة الإنجليزية قريبـاً - إن شاء الله


جامعة طيبــــــة   

 
 

 

اسم المستخدم :

 

كلــــمة المــــرور :

عضو جديـد

 

عدد المتواجدون الآن1

 

عـــدد الـــزوار : 91876

 

رمضان يوم بيوم

 

رمضان يوم بيوم

ترتيب الأسئلة والإجابة عليها. ( الشيخ: فوزي منصور الشاوش)
التاريخ : الأحد : 24 / أبريل / 2009
عدد الزيارات : 1977

جامعة المدينة العالمية

أسئلة مهمة

س1: اذكر معنى القاعدة الكبرى ومعنى القواعد المندرجة تحت تلك القاعدة ومستثنياتها.

القواعد الفقهية الكلية هي التي يندرج تحتها قواعد أخرى، مثل الضرر يزال؛ فإنه يندرج تحتها قاعدة الضرر الأشد يدفع بالأخف، ومثل قاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان؛ فإنها تدخل تحت قاعدة كلية، وهي: اليقين لا يزول بالشك، وهكذا سائر القواعد الكبرى؛ فإن بينها وبين غيرها تداخل من القواعد التي تندرج تحتها.

1- قاعدة: الأمور بمقاصدها: ومعناها: أن تصرفات الإنسان قولية، أو فعلية تختلف باختلاف مقصود الشخص من وراء هذه الأعمال والتصرفات، والمقاصد هي النيات؛ فإن قصد الشخص بفعلها أو تركها طاعة لله وطاعة لرسوله -صلى الله عليه وسلم- أثيب على ذلك، وإن قصد معصية الله تعالى، ومعصية رسوله -صلى الله عليه وسلم- عوقب على ذلك؛ فتكون القاعدة على تقدير: أحكام الأمور بمقاصدها، وأنها تختلف باختلاف مقصود الشخص من وراء هذه الأعمال، والتصرفات.

 

مثال:

إن الله تعالى قد حرم أكل الميتة في غير حال الضرورة بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة) (المائدة: من الآية: 3) فإذا ترك المكلف الأكل بأمرٍ خارجٍ عن النهي الوارد عن الشرع بتركها بأن كانت نفسه تعافها، أو كان الترك لاستقذارها؛ فلا ثواب له، وأما إذا كان الترك امتثالًا لأمر الله تعالى؛ أثيب على هذا الترك.

 

الأدلة التي على هذه القاعدة:

تستمد هذه القاعدة دليلها من قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور الذي أخرجه الستة، وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه( إنما الأعمال بالنيات) وعند البيهقي من حديث أنسٍ -رضي الله عنه(لا عمل لمن لا نية له)، وفي رواية(نية المؤمن خير من عمله) وفي رواية من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه(إنك لن تنفق نفقةً تبتغي به وجه الله إلا أجرت فيها؛ حتى ما تجعل في فم امرأتك).

وهذه الروايات تدل على أن تصرفات المكلفين لا يعتد بها شرعًًا إلا بالنية، فإذا صحت النية؛ كان العمل صحيحًا، وإذا فسدت النية؛ كان العمل فاسدًا، وهذا عند الشافعية ومن وافقهم، وأما الحنفية فيقولون: إن كمال الأعمال بالنيات، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا بد في الحديث من إضمار ما يسميه علماء اللغة بدلالة الاقتضاء كما في قوله تعالى: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَة) (يوسف: من الآية: 82) أي أهل القرية، ودلالة الاقتضاء هو إضمار ما يصح به الكلام.

 

القواعد المتداخلة مع قاعدة: الأمور بمقاصده

·        هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها

في هذه القاعدة خلافٌ يتجه إلى أن المُغلب هل هو اللفظ أو المعنى؟ فيرى الحنفية والمالكية أنه عند حصول العقد لا يُنظر للألفاظ التي يستعملها العاقدان حين العقد؛ لأن المقصود الحقيقي هو المعنى وليس اللفظ ولا الصيغة المستعملة، وما الألفاظ إلا قوالب للمعاني عملًا بالقاعدة التي تقول: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.

فالحنفية والمالكية قد غلبوا جانب المعنى قولًا واحدًا إلا إذا تعذر التوفيق بين اللفظ والمعنى، فحينئذٍ لا يجوز إلغاء الألفاظ، وأما الشافعية والحنابلة فالمغلب منهما هل هو اللفظ أو المعنى؟ خلاف في قاعدة العقود بين المذاهب، والعبرة هنا بمعنى الاعتداد، والعقود جمع عقد، وهو ارتباط الإيجاب بالقبول كعقد البيع والإجارة والإعارة، والمعاني جمع معنى، وهو الصورة الذهنية التي دل عليها القول أو الفعل، وهذا معناه أن العبرة في العقود تكون بمعانيها لا بصيغها وألفاظها، وأن المُغلب هو المعنى دون اللفظ على خلافٍ بين المذاهب الفقهية في ذلك.

 

مثال:

مثل أن يقول شخصٌ لواحدٍ من الناس: وهبتك هذا الثوب بدينار، فهل يُعقد بلفظ وهبتك دال على الهبة، أو يكون الاعتداد بالمعنى الذي يدل عليه السياق الذي يفهم منه البيع، فيكون العقد بيعًا لوجود العوض، أو يحكم بأن هذا العقد لفظ لوجود التعارض بين أجزاء العقد؛ لأن لفظ وهبتك يدل على أن العقد تبرع في حين أن قوله: بدينار يدل على أنه عقد بيعٍ ومعاوضة، فتارة يُغلب جانب اللفظ وتارة يُغلب جانب المعنى على خلاف بين الفقهاء فعند الشافعية الأصح كونه بيعًا اعتبارًا بالمعنى، وعند الحنابلة ثلاثة أقوال:

الأول: أنه بيع نظرًا للمعنى.

والثاني: أنه عقد هبة صحيح؛ لأنه يصح شرط العوض في الهبة كما يصح شرط العوض في العارية.

والثالث: أنه عقدٌ فاسدٌ.

وعند الحنفية والمالكية هو عقد بيع تغليبًا للمعنى على اللفظ قولًا واحدًا؛ لأنه أصبح في معناه رغم استعمال العقد بلفظ الهبة فيأخذ حكم البيع؛ فيرد الموهوب بالعيب ويسترد الموهوب له العوض المدفوع إذا استحق الموهوب في يده، وكذلك سائر أحكام البيع.

يستثنى من هذه القاعدة: ما لو باع شخص لآخر شيئًا مع نفي الثمن، كأن يقول: بعتك هذا الشيء بدون ثمن، فهو عند الحنفية عقدٌ باطلٌ ولا يُعتبر عقد هبة؛ لأن الثمن من أركان عقد البيع، وكذلك لو كان العقد عقد إجارة ولم تذكر الأجرة فتبطل الإجارة؛ لأن الأجرة من أركان عقد الإجارة، أما عند الشافعية وعند الحنابلة فإنه ليس عقد إجارة ولا عقد بيع، وفي انعقاده هبة قولان لتعارض اللفظ والمعنى. تلك هي القاعدة الأولى التي تندرج تحت قاعدة الأمور بمقاصدها وهي: هل المغلب في العقود المعاني أو الألفاظ والمباني.

 

·        هل الأيمان مبنية على الألفاظ أو الأغراض

عند الحنفية والشافعية تكون الأيمان مبنية على الألفاظ إن أمكن استعمال اللفظ، وإلا فإنها تكون مبنية على الأغراض، فلو أن شخصًا اغتاظ من إنسانٍ فحلف أنه لا يشتري له شيئًا بدولار، ثم اشترى له شيئًا بالجنيه المصري لم يحنث، ولو حلف لا يبيعه بعشرة فباعه بأحد عشر أو بتسعة لم يحنث مع أن غرضه الزيادة، لكن لا يحنث بلا لفظ، وأما عند الحنابلة والمالكية فيُرجع في الأيمان إلى النية؛ لأن مبنى اليمين عندهم على نية الحالف إذا احتملت اليمين ما نواه سواء كان موافقًا لظاهر اللفظ أو مخالفًا له، تلك هي القاعدة الثانية التي تندرج تحت قاعدة الأمور بمقاصدها ولها بها اتصالٌ.

 

·        هل الأيمان مبنية على العرف

وهذه القاعدة يرى الحنفية والحنابلة أن الأيمان مبنية على عرف الحالف، فلو حلف لا يسكن بيتًا فسكن بيتًا من جلود البقر أو الإبل أو الشعر، أو سكن خيمة، فلا يحنث إن كان من سكان المدن والأمصار، ويحنث إذا كان من أهل البادية.

وقال الشافعي وأحمد: يحنث إذا لم تكن له نية سواء كان بدويًا أو قرويًا، وقال المالكية: إن الأيمان مبنية على النية أولًا، فإن لم تكن نية فعلى الباعث، فإن لم يكن باعث فعلى العرف وإلا فعلى الوضع اللُّغوي، فمن حلف ألا يدخل بيتًا أو حلف لا يسكن بيتًا وهو من أهل المدن وسكن بيتًا من بيوت الشعر، فإن لم تكن له نية فهو حانث؛ لأن الله تعالى سماه بيتًا، وهذا يعني أن اليمين مبنية على الاستعمال القرآني.

 

·        اليمين هل هي على نية الحالف أو على نية المستحلف

 قال الحنفية: إن مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في اليمين فقد استثنوها، فقالوا: اليمين عند القاضي على نية الحالف وهو اللافظ إن كان مظلومًا، وعلى نية المستحلف وهو القاضي إن كان ظالمًا وهذا في غير الطلاق، أما في الطلاق فهو على نية الحالف سواء كان ظالمًا أو مظلومًا، وعند الشافعية تكون اليمين على نية القاضي دون الحالف عند التحالف، وأما المالكية والحنابلة فعندهم اليمين في الأحكام كلها على نية المستحلف وهو القاضي، فلا يصح فيها التورية ولا ينفع الاستثناء.

 

·        هل النية تخصص اللفظ العام أو تعمم اللفظ الخاص

فنقول: العام في اللغة معناه الشامل سواء كان لفظًا أو غير لفظٍ، ومنه قولهم: عمهم الله بالمطر أي: شملهم، هذا معناه في اللغة.

ومعنى العام في الاصطلاح: هو اللفظ المستغرق لما يصلح له من غير حصر كلفظ الرجال.

أما الخاص أو التخصيص فهو في اللغة تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه في الجملة، وهو خلاف العموم، يقال: تخصص فلان في علم كذا أي: قصر عليه بحثه وجهده، والخصوص نقيض العموم، ويستعمل بمعنى لا سيما، تقول: يعجبني فلان خصوصًا علمه وأدبه أي: لا سيما.

وأما الخاص أو التخصيص في الاصطلاح: فهو قصر العام على بعض أفراده، وذلك في مثل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) (البقرة: من الآية: 228) فهو عامٌ في الحوامل وغير الحوامل، ولكن خُصص ذلك بقوله تعالى: (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق: من الآية: 4) فإنه يقتضي أن يكون عدّة الحامل مطلقًا هو وضع حملها مطلقة أو متوفى عنها زوجها.

وهنا يكون التساؤل: هل النية تخصص اللفظ العام أو تعمم اللفظ الخاص؟

ونقول في هذه المسألة: خلاف بين الفقهاء، فقال الحنفية: إن تخصيص العام بالنية مقبولٌ ديانةً لا قضاءً، وقال الخصاف من الحنفية: تخصيص العام بالنية مقبولٌ ديانةً وقضاءً، وأما تعميم الخاص بالنية ففيه خلاف عند الحنفية أيضًا فمنهم من نفاه ومنهم من أثبته، وقال المالكية: إن النية تعمم الخاص وتخصص العام، وقال الشافعية: النية في اليمين تخصص اللفظ العام ولا تعمم اللفظ الخاص، وقال الحنابلة: النية تعمم الخاص وتخصص العام بغير خلاف، ولكن اختلفوا هل النية تقيد المطلق أو تكون استثناءً من النص؟ ومن هذا يظهر أن تخصيص اللفظ العام بالنية متفقٌ عليه بين المذاهب، غير أن جمهور الحنفية يعتبرونه ديانةً لا قضاءً، وأما تعميم الخاص بالنية فأجازه الحنابلة والمالكية ومنعه الحنفية والشافعية.

 

·        المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات كما هي معتبرة في القربات والعبادات

هذه القاعدة أوردها ابن القيم وذكر أن القصد يجعل الشيء حلالًا أو حرامًا، صحيحًا أو فاسدًا، طاعةً أو معصيةً، كما أن القصد في العبادات يجعلها واجبة، أو مستحبة، أو محرمة، أو صحيحة، أو فاسدة، وذكر ابن القيم الأدلة لهذه القاعدة من القرآن الكريم في آيات كثيرة: منها قوله تعالى في حق الأزواج إذا طلقوا زوجاتهم طلاقًا رجعيًا قال تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا) (البقرة: من الآية: 228) ومنها قوله تعالى:(وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) (البقرة: من الآية: 231) وبهذا فقد نص الله تعالى على أن الرجع إنما يملكها الله تعالى لمن قصد الصلاح دون من قصد الإضرار والضرار.

وفي شأن الخلع قال الله تعالى:(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه ) (البقرة: من الآية: 229) فبين الله -سبحانه وتعالى- أن الخلع المأذون فيه إنما يباح إذا ظن ألا يقيما حدود الله.

وفي شأن الوصية يقول الله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَو دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّا) (النساء: من الآية: 12) فقد حرم الله الوصية على الميراث إذا لم يُقصد بها الموصي الضرار، فإن قصده فللورثة إبطالها ولهم ألا ينفذوها، ومن أمثلة هذه القاعدة: ذبح الحيوان بنية الأكل يحل ويحرم إن ذبح لغير الله، كذلك غير المحرم بحج أو عمرة إن صاد الصيد للمحرم حرم على المحرم أكله، وإن صاده لغير المحرم جاز للمحرم أن يأكل منه، وعصر العنب بنية أن يكون خمرًا لم يجز بخلاف ما لو نوى أن يكون خلًّا.

 

2- قاعدة: اليقين لايزول بالشك

معنى هذه القاعدة أن الأمر الذي ثبت بيقين لا يزول بالشك، وإنما يزول بيقينٍ مماثل، فالشك لا يقوى على إزالة اليقين ولا يقدر عليه؛ لأن الضعيف لا يقدر على إزالة القوي.

 الشك معناه التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر، أو بتعبيرٍ أدق تردد الفعل بين الوقوع وعدمه ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر.

واليقين في اللغة معناه: العلم الذي لا تردد فيه، أو معناه أنه قرار الشيء، يقال: يقن الماء في الحوض بمعنى أنه استقر فيه وثبت، هذا هو معنى اليقين في اللغة.

وأما معناه اصطلاحًا: فهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، أو هو حصول الجزم أو الظن الغالب بوقوع الشيء أو عدم وقوعه.

 

الأدلة التي على هذه القاعدة:

 

وهي كثيرة ومنها قوله تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ) (يونس: من الآية: 36).

ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) ووجه الدلالة أن الإنسان لا يدع ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين في انتقالها، وقوله في الحديث :(حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) معناه: أنه لا ينصرف من صلاته حتى يتيقن من خروج الحدث، وهذا أصلٌ وقاعدة من قواعد الدين في أن الأشياء يُحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن الإنسان خلاف ذلك، والمراد أن استصحاب الأصل المتيقن لا يزيله شك طارئ عليه، ولك أن تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان.والمسائل المخرّجة على هذه القاعدة تبلغ ثلاثة أرباع الفقه أو تبلغ أكثره.

مثال:

إذا سافر رجل إلى بلاد بعيدة وانقطعت أخباره مدة طويلة، فانقطاع أخباره يثير شكًّا في حياته، إلا أن ذلك الشك لا يزيل اليقين وهو حياته المتيقنة من قبل، ومن ثَمّ فلا يجوز الحكم بموته وليس لورثته اقتسام تركته ما لم يثبت موته يقينًا، وعلى العكس من ذلك إذا سافر شخصٌ آخر بسفينة وثبت غرقها فعندئذٍ يحكم بموته؛ لأن موته ظن غالب والظن الغالب بمنزلة اليقين.

 القواعد المتداخلة مع قاعدة: اليقين لايزول بالشك

 

·        الأصل بقاء ما كان على ما كان

وهذه القاعدة معناها أن الأصل يبقى على ما كان عليه حتى يقوم الدليل على خلافه؛ لأن ما ثبت على حالٍ في الزمان الماضي ثبوتًا أو نفيًا يبقى على حاله ولا يتغير ما لم يوجد دليل يغيره، ومن أجل ذلك عبر الإمام السيوطي عن هذه القاعدة بقوله: ما ثبت لزمان يُحكم ببقائه ما لم يوجد دليلٌ على خلاف، فإذا ما أردنا أن نعرف الدليل الذي قامت عليه هذه القاعدة، فإن الدليل الذي تستمد منه هذه القاعدة هو الاستصحاب.والاستصحاب في اللغة: معناه الملازمة وعدم المفارقة.وقد عرف الفقهاء الاستصحاب: بأنه لزوم حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، ومن ذلك ثبوت المِلك بالعقد المملك، ومن ذلك أيضًا شغل ذمة المتلف عند وقوع الإتلاف، وشغل ذمة المدين عند وقوع الاستدانة، هذا هو معنى الاستصحاب لغة ومعناه عند الفقهاء.

فإذا أردنا أن نعرف أقسام الاستصحاب، فإنه ينقسم الاستصحاب عند الفقهاء إلى قسمين:

القسم الأول: أن الشيء إذا كان على حال في الزمان الماضي، فهو على حاله في المستقبل ما لم يوجد ما يغيره، وهذا القسم من الاستصحاب سماه بعضهم استصحاب الماضي للحال.

والقسم الثاني من أقسام الاستصحاب: أن الشيء على حالته الحاضرة يُحكم أنه كان عليها في الزمان الماضي ما لم يوجد دليل يغيرها، وهذا يسمى الاستصحاب المعكوس، وسماه بعضهم استصحاب الحال للماضي، ولهذه القاعدة معناها يشير إلى النوع الأول من الاستصحاب وهو استصحاب الماضي للحال.

 

مثال:

ومن الأمثلة التي تؤكد حكم هذه القاعدة: مسألة المفقود الذي انقطع خبره ولم يُعلم موته ولا حياته، فهذا المفقود يُحكم بحياته؛ لأنه حين تغيبه كانت حياته محققة ما لم يقم دليلٌ على موته حقيقة، أو يحكم القاضي بموته بعد موت جميع أقرانه، ومن ثَمّ فليس لورثته أن يقتسموا تركته ولا أن تبين امرأته ولا تؤخذ وديعته.

مثال:

كذلك من الأمثلة أنه إذا مات نصراني فجاءت امرأته وقالت: إنها أسلمت بعد موته، وهي تطالب باستحقاقها في الميراث منه، وقال الورثة: بل هي أسلمت قبل موته فلا ميراث لها، فالقول قول الورثة عند بعض الفقهاء؛ لأن سبب الحرمان قائمٌ في الحال وهو اختلاف الدين، وما دام سبب الحرمان قائمٌ في الحال فيثبت فيما مضى تحكيمًا للحال.

ولهذا الحكم وجه آخر وهو أن إسلامها حادث، والحادث يضاف إلى أقرب أوقاته، فالقول للورثة لا للمرأة، فهنا كلٌّ من الطرفين متمسكٌ بنوعٍ من الاستصحاب، فالمرأة تريد استحقاق الإرث تمسكًا بالاستصحاب الحقيقي، وهو استمرارها إلى ما بعد موت زوجها على دينه الذي كانت تدين به، والاستصحاب لا يكفي حجة للاستحقاق، والورثة يدفعونها عن استحقاق الإرث تمسكًا بالاستصحاب المعكوس وهو انسحاب مانع الإرث القائم للمرأة حين الخصومة، وهو إسلامها إلى ما قبل موت الزوج، والاستصحاب يكفي حجة للدفع، فكان القول هو قول الورثة، وإنما كان الاستصحاب غير حجة في الاستحقاق؛ لأنه من قبيل الظاهر، ومجرد الظاهر لا ينهض حجة في إلزام الغير، ولما كان الاستصحاب على الغير إلزامًا لم يكتف فيه بالظاهر.

ولهذا قال الكرخي: الأصل أن الظاهر يدفع الاستحقاق ولا يوجب الاستحقاق، فمن كان في يده دار فجاء رجلٌ يدعيها، فظاهر يده يدفع استحقاق المدعي لهذه الدار حتى يأتي بالبينة، وكذلك لو بيعت دار بجانب هذه الدار فأراد من في يده الدار أراد أن يأخذ الدار المبيعة بالشفعة بسبب الجوار لهذه الدار، فإنه بظاهر يده لا يستحق الشفعة إلا إذا أثبت أن هذه الدار ملكه.

 

يستثنى من هذه القاعدة:

ويستثنى من حكم هذه القاعدة بعض مسائل خرجت عنها وأخذت حكمًا مغايرًا، ودائمًا المسائل المستثناة من القاعدة تأخذ حكمًا مختلفًا عن حكم القاعدة، ومن هذه المسائل ما لو ادعت المرأة مضي عِدّتها في مدة تحتمل انقضاء العِدّة، فإنها تصدق بيمينها مع أن الأصل بقاء العِدّة بعد وجودها؛ وذلك لأن مضي مدة العدة من الأمور التي لا تعلم إلا من المرأة، فما لم يكن دليل على قولها فإن قولها هو الثابت ولا يمكن ثبوت مضيها أصلًا إلا عن طريقها، وذلك من أجل الضرورة.

 

·        قاعدة: القديم يترك على قدمه

والمراد بالقديم هنا ما لا يُعرف أوله؛ لأن ما يُعرف مبدؤه لا يكون قديمًا، ومعنى القاعدة أن القديم المشروع يجب أن يُترك على حاله الذي هو عليه حتى يثبت خلافه؛ لأن بقاء الشيء مدة طويلة دليلٌ على أنه مستندٌ إلى حق مشروع فيحكم بأحقيته، وذلك من باب حسن الظن بالمسلمين بأنه ما وضع هذا الشيء إلى بوجه شرعي، وما وضع بوجهٍ شرعي فيبقى على ما هو عليه، وذلك ما لم يكن هذا القديم ضارًا؛ لأن الضرر لا يكون قديمًا ولأن الضرر مرفوع عن الأمة ولا ينبغي وجوده أصلًا، لا يوجد الضرر ابتداءً ولا دوامًا.

مثال:

فإذا كان رجلٌ لداره مسيل ماء، أو كان له ممرٌ إلى داره في أرض الغير، وكان ذلك المسيل أو ذلك الممر قديمًا لا يعرف أحد الحاضرين مبدأ لحدوثه، وأراد صاحب الأرض أن يمنع صاحب الدار من المرور في أرضه، أو أراد أن يحول المسيل إلى جهة أخرى أو يحول الممر ويغيره عن حاله القديم فليس له ذلك إلا بإذن صاحبه -أي: صاحب الحق- في المرور، ومتى بنى صاحب الأرض بناءً في هذا الممر بإذن صاحب حق المرور فإنه يسقط حق مروره لا يكون له بعد ذلك حق المخاصمة مع صاحب الأرض استعادة حقه القديم؛ لأن إذنه لصاحب الأرض في البناء في الممر قد أسقط حقه في المطالبة به، إلا إذا كان صاحب المرور مالكًا لرقبة الطريق، فلا يمنع من المخاصمة واستعادة حقه بعد الإذن له في البناء؛ لأن الملك لا يسقط بالإسقاط، فإذا قال شخصٌ: أبطلت حقي في المسيل، فإنه إذا كان له حق إجراء الماء دون الرقبة بطل حقه، وإن كان له حق في رقبة المسيل لا يبطل ذلك الحق بالإبطال.

 

قاعدة: الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته

فإذا تنازعا اثنان في أمرٍ ووقع الخلاف بينهما في حدوثه أو عدم حدوثه، فإنه يُنسب هذا الأمر إلى أقرب الأوقات إلى الحال ما لم يثبت نسبته إلى زمان أبعد؛ لأن الوقت الأقرب قد اتفق الطرفان على وجود الأمر الحادث فيه، وانفرد أحدهما بزعم وجوده قبل ذلك في الزمن الأبعد، فوجود الحادث في الوقت الأقرب متفق عليه فهو متيقن، ووجوده في الزمن الأبعد مشكوك فيه؛ فلذلك نسب إلى الزمن الأقرب دون الأبعد؛ حتى يثبت الأبعد، فعند ذلك ينسب إليه وبذلك تكون هذه القاعدة من القواعد المتداخلة والمؤكدة لقاعدة اليقين لا يزول بالشك.

 

مثال:

إذا ادعت الزوجة أن زوجها طلقها أثناء مرض الموت طلاق الفار ليحرمها من الميراث وطالبت بالإرث، فادعى الورثة أنه طلقها في حال صحته وأنه لا حق لها في الميراث، فالقول للزوجة؛ لأن الأمر الحادث المختلف فيه هو زمن وقوع الطلاق، فيجب أن يضاف إلى الزمن الأقرب وهو مرض الموت الذي تدعيه الزوجة ما لم يقم الورثة بالبينة على أن طلاقها كان حال الصحة.

 

مثال:

وكذلك إذا ادعى المحجور عليه، أو ادعى وصيه أن عقد البيع الذي أجراه المحجور عليه قد حصل بعد صدور الحكم بحجره وطلب فسخ البيع، وادعى المشتري حصول البيع قبل تاريخ الحجر، في هذه الحالة القول يكون للمحجور عليه أو لوصيه؛ لأن وقوع البيع بعد الحجر أقرب زمنًا مما يدعيه المشتري، وعلى المشتري أن يثبت خلاف ذلك الأصل، وهو حصول البيع له قبل صدور الحكم بالحجر.

 

يستثنى من هذه القاعدة:

من المستثنيات لو ادعى شخص على حاكمٍ معزولٍ أنه أخذ منه بعد عزله مبلغًا من المال جبرًا، وأنكر المدعى عليه وهو الحاكم المعزول أنه أخذه أثناء عزله، بل أخذه منه أثناء ما كان حاكمًا، وأنه قد أجرى محاكمته وأعطى هذا المبلغ للمحكوم عليه بعد صدور الحكم وذكر اسم المحكوم عليه، فإذا كان المبلغ المدفوع مستهلكًا، فالقول للحاكم المدعي عليه؛ لأنه يضيف فعله لزمن منافٍ للضمان ويدعي براءة ذمته، مع أنه بحسب القاعدة لما كان وقوع الأخذ بعد العزل هو الأقرب كان الواجب أن ينسب إليه، وعلى الحاكم المدعى عليه أن يثبت خلاف ذلك وهو حصوله الأخذ قبل العزل، ولكن الاستثناء هنا جاء تبعًا للقاعدة النافية للضمان، وهي قاعدة الأصل براءة الذمة، وأما إذا كان المال المدعى به لا زال قائمًا فالقول للمدعي، ويجب على الحاكم أن يرد إلى المقضي عليه ما ادعاه.

 

قاعدة: الأصل في الصفات العارضة العدم

فالشيء الذي يكون بطبيعته خاليًا من هذه الصفات وهي عارضة عليه فالأصل في هذه الصفات العدم؛ لأن وجودها طارئ معارضٌ على أصل طبيعة الشيء وذلك مثل كون المبيع معيبًا، أو كون العقد غير صحيح، فإن مثل هذه الصفات غيرها من الأمور العارضة التي توجد بعد العدم، فيكون الأصل فيها العدم وهكذا سائر العقود، وأما صفات التي يكون وجودها في الشيء مقارنًا لوجوده فيكون مشتملًا عليه بطبيعتها غالبة، فتكون هذه الصفات صفات أصلية والأصل فيها الوجود، وذلك كبكارة البنت، وسلامة المبيع من العيوب، وكذلك الصحة في العقود بعد انعقادها، ويلحق بالصفات الأصلية الصفات العارضة التي ثبت وجودها في وقتٍ من الأوقات، فإن الأصل فيها هو البقاء بعد ثبوت وجودها؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.

 

مثال:

لو اختلف المضارب ورب المال في حصول الربح وعدمه، فالقول للمضارب والبينة على رب المال لإثبات الربح في المضاربة؛ لأن الأصل في الربح هو العدم، وكذلك لو قال الوصي: لم أتجر في مال اليتيم، أو قال: قد اتجرت ولكن لم أربح، ولم يتأت الربح أصلًا، أو ما ربحت إلا كذا في هذه الصور كلِّها فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم التجارة وعدم الربح، والتجارة صفة عارضة وكذلك الربح صفة عارضة.

 

يستثنى من هذه القاعدة:

فإذا عرفنا معنى هذه القاعدة والأمثلة التي تدخل تحتها وتؤكد معناها فإننا ننتقل إلى بيان بعض المسائل المستثناة من هذه القاعدة وهي التي تأخذ حكمًا مخالفًا لحكم القاعدة، من هذه المسائل المستثناة لو اختلف الزوجان في هبة المهر فقالت الزوجة: وهبته له بشرط أن يطلقني، وقال الزوج: إن الهبة كانت بغير شرط، فالقول قولها مع أن الشرط من الصفات العارضة والأصل فيه العدم، فهذه مسألة من المسائل التي قد استثنيت من هذه القاعدة وأخذت حكمًا مخالفًا لحكم القاعدة.

 

قاعدة: هل الأصل في الأشياء الإباحة أو الحرمة

للعلماء في هذه القاعدة ثلاثة آراء:

الرأي الأول وهو قول أكثر الفقهاء: أن الأصل في الأشياء الإباحة، والأدلة على ذلك ثابتة نقلًا وعقلًا، أما الأدلة من النقل فهي كثيرةٌ من الكتاب والسُّنة، فمن الكتاب: قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ)  (الأعراف: من الآية: 32) ووجه الدلالة من الآية: أن الله -سبحانه وتعالى- أنكر على من حرم ذلك، فالله تعالى قد أحل لعباده الطيبات من الرزق، فوجب ألا تثبت حرمته، وإذا لم تثبت حرمته ككل امتنع ثبوت الحرمة في فردٍ من أفراده؛ لأن المطلق جزءٌ من المقيد، فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراده ثبتت الحرمة في زينة الله وفي الطيبات من الرزق، وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة.

وأما الأدلة على هذه القاعدة من السُّنة فمنها: قوله -صلى الله عليه وسلم : (ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئًا، وتلًا قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّ) ( مريم: من الآية 64).

وورد من حديث سلمان -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل عن الجبن والسمن والفراء، فقال: (الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه، فلا تتكلفوه) ووجه الدلالة أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك، وهذا هو الدليل الشرعي على أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يكون التحريم إلا بنص، وما لم يوجد ذلك النص فتكون الأشياء باقية على حلَّها وتحريمها يكون مخالفٌ للشرع.

فإذا أردنا أن ننتقل من الدليل الشرعي إلى الدليل العقلي، فإن الدليل العقلي على أن الأصل في الأشياء الإباحة هو أن الله -سبحانه وتعالى- إما أن يكون خلق هذه الأعيان والأشياء لحكمة أو لغير حكمة، فكونها خلقها لغير حكمة باطل؛ لقوله تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) (المؤمنون: 115) والعبث لا يجوز على الله، فثبت أنه -سبحانه وتعالى- خلقها لحكمة ولا تخلو هذه الحكمة إما أن تكون لعود النفع إليه سبحانه، أو لعود النفع إلينا نحن، والأول باطل لاستحالة الانتفاع عليه -عز وجل- فهو غنيٌّ عن العالمين، فثبت أنه خلقها لينتفع بها المحتاجون إليها، فعلى هذا كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أينما كان، فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة.

والرأي الثاني: الأصل في الأشياء الحظر والتحريم، وهذا القول منسوبٌ لأبي حنيفة، وهي نسبة غير صحيحة؛ لأن الراجح عندهم القول بأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ) (البقرة: من الآية: 29) ووجه الدلالة أن الله سبحانه خلق لكم ما في الأرض على وجه المنّة علينا، وأبلغ وجوه المنّة إطلاق الانتفاع، فثبتت الإباحة.

ومما استُدل به المانعون قولهم: إن التصرف في ملك الغير بغير إذنه لا يجوز، والقول بالإباحة دون دليلٍ تصرف في ملك الله بغير إذنه وهو باطلٌ، ويرد على هذا الاستدلال بأن ذلك بالنسبة للعباد؛ لأنهم يصيبهم الضرر عند التصرف في أملاكهم بغير إذنهم، أما بالنسبة لله -عز وجل- فذلك غير وارد؛ لأنه سبحانه لا يصيبه ضرر بتصرف العباد في ما يملك، ولم يرد دليلٌ بالمنع.

الرأي الثالث: التوقف بمعنى أنه لا يُدرى هل هناك حكم أو لا؟

وهذا الرأي مردود؛ لأن كل تصرف له حكم، ولا يخلو تصرف عن حكم وعن حِكمة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، فيكون الأصل في الأشياء الإباحة هو الراجح.

ويتخرج على هذا الأصل كثيرٌ من الأطعمة والأشربة من النباتات والفواكه والحبوب التي ترد إلينا من بلادٍ بعيدة ولا نعرف أسماءها، ولم يثبت لنا ضررها، وكذلك يتخرج عليها كثيرٌ من أنواع الفُرش والأثاثات والآلات المستحدثة فيما لا يندرج تحت نهي، وأيضًا يتخرج عليها بعض أنواع العقود المستحدثة والمعاملات الجديدة إذا ثبت خلوها من الربا ومن الجهالة والغرر والضرر؛ إذ الأصل في الأشياء الإباحة.

 

قاعدة: لا تعارض في البينات

ذكر ابن القيم هذه القاعدة بقصد أن يُبين أن الأدلة القطعية التي تفيد اليقين لا تتعارض مع الشريعة بحال، بخلاف الأدلة الظنية فإنها قد تتعارض، وعند تعارضها لا يُعمل إلا بأحدها قبل الترجيح؛ لأن الجمع بين المتعارضات غير ممكن والعمل بها جميعًا من غير ترجيح لا يصح، فإذا لم يمكن الترجيح وجب التوقف؛ حتى يتأتى الترجيح، وقيل يجوز العمل بأيها شاء، وإذا كان الأمر كذلك فشرط العمل بالظنيات عند التعارض هو الترجيح، فإن وقع التساوي فالتخيير أو التوقف، فإذا كان طريق العمل التقليد فهل يُشترط الترجيح في أعيان من يلقده؟ فيه وجهان، فإن كان طريقه العمل اليقين فلا مدخل للترجح، إذ إنما يكون بين متعارضين ولا تعارض في اليقينيات.

وهذه القاعدة تعتبر من القواعد الأصولية من وجه، وتعبر من القواعد الفقهية من وجهٍ آخر، فمن حيث النظر في الأدلة المتعارضة وترجيح إحداها بالقرائن تكون هذه القاعدة من القواعد الأصولية، ومن حيث العمل بمقتضى الدليل الذي رجحه المجتهد تكون قاعدة فقهية، هذا ما يمكن أن يقال في قاعدة لا تعارض في البينات.

 

قاعدة: الأصل براءة الذمة

ومعنى الذمة في اللغة العهد والأمان، أو هي كل حرمة تلزمك إذا ضيعتها، ومن ذلك سُمي أهل العهد أهل ذمة، فيقال: رجل ذمي أي: ذو عهد، وأما الذمة في الشرع فهي معنًى قائمًا بالشخص يقبل الإلزام والالتزام، وبراءة الذمة معناها خلوها من المسئولية وعدم التزامها بشيءٍ من الحقوق، فالإنسان يظل بريئًا من كلِّ حقٍّ حتى يعرض لذمته ما يقتضي التزامها بحق، وتستمر هذه البراءة لذمة الإنسان طالما لم يطرأ ما يزيل هذه البراءة ويُشغلها بحق الغير بناء على بينة أو إقرارٍ أو يمين، هذا هو معنى الأصل براءة الذمة.

ننتقل إلى بيان الفروع المتعلقة أو المندرجة تحت هذه القاعدة، ومن هذه الفروع أن اليمين لو توجهة على المدعى عليه فنكل لا يقضى عليه بمجرد نكوله لأن الأصل براءة ذمته، بل تُعرض اليمين على المدعي، ولو اختلف في قيمة المتلف فالقول قول الغارم؛ لأن الأصل براءة ذمته مما يشغلها.

 

قاعدة: لا عبرة للتوهم

التوهم إدراك الطرف المرجوح من طرفي أمرٍ متردد فيه، والأمر الموهوم يكون نادر الوقوع؛ ولهذا فلا يعمل في تأخير حق، بل يؤدى الحق لصاحبه ولا يؤخر لأمرٍ موهوم؛ لأن الثابت قطعي أو ظاهر لا يُؤَخَّر لأمر موهوم بخلاف الأمر المتوقع فإنه كثير الوقوع فيعمل بتأخير الحكم؛ ولهذا السبب فقد جوزوا للحاكم تأخير الحكم للمدعي بعد استكمال أسبابه لما يرجى من الصلح بين الأقارب؛ لأن الصلح بين الأقارب أمرٌ متوقعٌ كثير الوقوع، فإذا عرفنا معنى هذه القاعدة، فإن هذه القاعدة ليست مماثلة لقاعدة لا عبرة بالظن البين خطأه، فإن الظن إدراك الطرف الراجح، وأما الوهم فإدراك الطرف المرجوح، ولكن يمكن أن يقال: إن حكم قاعدة لا عبرة للتوهم يُفهم بالأولى من قاعدة لا عبرة بالظن البين خطأه، ونقول: إن هذا الفهم خاطئ؛ لأن قاعدة لا عبرة بالظن البين خطأه لا يعمل فيها بالظن بعد أن تبين خطأه تمامًا، ومن ثَمّ فإنه يكون في درجة الأقل من التوهم أصلًا؛ لأن التوهم قد يصبح حقيقة بخلاف الظن الذي تبين خطأه.

 

إذا عرفنا هذه المقدمة في قاعدة لا عبرة بالتوهم، وأنها ليست مماثلة لقاعدة لا عبرة بالظن البين خطأه فإننا ننتقل لنبين معنى هذه القاعدة، معناها أن التوهم لا يُبنى عليه حكم شرعي، فإننا لا نعمل بالتوهم دون انتظار ليتبين الخطأ من عدمه، ويفهم من هذا أنه كما لا يثبت حكم شرعي استنادًا على وهم، فإنه لا يجوز تأخير الشيء الثابت أصلًا بصورة قطعية لحدوث وهم طارئ، هذا هو معنى القاعدة.

مثال:

أنه لو أثبت الورثة إرثهم بشهود، وقالوا: لا يوجد ورثة غيرنا للميت، فإنه يُقضى لهم بالميراث ولا عبرة باحتمال أو توهم ظهور وارث آخر يزاحمهم؛ لأن ذلك أمر متوهم، ولو توفي المفلس تُباع أمواله وتقسم بين الغرماء، وإن توهم ظهور غريم آخر جديد والواجب المحافظة على حقوقه ذلك الدائن المجهول فلا تقسم التركة، ولكن لما كان لا اعتبار للتوهم فإنها تقسم على الغرماء، وإن ظهر غريم جديد يأخذ حقه حسب الأصول الشرعية.

 

مثال:

كذلك: إذا ولدت المرأة فطهرت قبل الأربعين، واغتسلت وصلت بناء على الظاهر، فإنها تصلي بناء على هذا الظاهر؛ لأن معاودة الدم أمر موهوم، فلا يُترك المعلوم وهو الطهارة بالموهوم وهو ربما نزل الدم بعد الغسل من حيضٍ أو نفاس.

 

مثال:

وكذلك: إذا جرح شخص شخصًا، ثم شفي المجروح من جرحه تمام وعاش مدة، ثم توفي بعد ذلك، فادعى ورثته بأنه من الجائز أن يكون مورثهم مات بتأثير الجُرح، فإن هذه الدعوى لا تسمع؛ لأنه لا عبرة بالتوهم.

 

يستثنى من هذه القاعدة:

أنه لو انهدم بعض الدار المستأجرة، فإن الإجارة لا تنفسخ، بل يثبت للمستأجر الخيار، ولو أصلح المؤجر الدار قبل مضي زمنٍ يسيرٍ لا أجرة له، فلا خيار للمستأجر إذا قام هو بإصلاحها، ولو انهدمت الدار كلها قبل تسليمها للمستأجر بطلت الإجارة؛ لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه فوجب فسخ عقد الإجارة، لكن لو انهدمت الدار كلها بعد تسليمها للمستأجر فهل يبطل العقد أو لا؟

هنا اختلف الفقه في ذلك، فذهب بعض الحنفية منهم محمد بن الحسن ورواية للحنابلة، والزيدية، والإمامية، هؤلاء ذهبوا إلى القول ببطلان الإجارة، وإنما يثبت للمستأجر حق الفسخ؛ لأن الأصل أن المعقود عليه لا يفوت، فله أن ينتفع بالعرصة بدون البناء، ينتفع بالأرض وإن كانت خالية من البناء إلا أنه ناقص فصار كالعيب يثبت به الخيار في الفسخ إذا أراد، فتوهم الفائدة بإعادة البناء ثابتٌ؛ فلذلك لا تنفسخ الإجارة، وإنما يثبت للمستأجر الخيار فقط، بناءً على هذا تكون المسألة مستثناة من قاعدة لا عبرة بالتوهم، فإن عدم فسخ الإجارة هو توهم الفائدة بإعادة البناء مرة أخرى؛ لأن الأجرة سقطت، ومع هذا لم تنفسخ الإجارة.

ومن الصور المستثناة أيضًا: أن المشتري من الفضولي لو دفع الثمن له رجاء إجازة المالك ممن له حق الإجازة من المالك أو غيره، ثم أراد استرداده منه لم يملك ذلك قبل أن يفسخ المالك البيع، مع أن الإجازة موهومة الحصول، ومع ذلك اعتبرت في منع رد الثمن المدفوع ثمنًا للمعاملة المشتراة من الفضولي، وبذلك أخذ هذا الفرع والذي قبله حكم مغاير لحكم القاعدة وهي لا عبرة بالتوهم.

 

3- قاعدة: المشقة تجلب التيسير

هي القاعدة تُعدُّ أصلًا من أصول هذا الدين، ومعظم الرخص الشرعية والتخفيفات الكثيرة منبثقة عن هذا الأصل العظيم، بل إنه من الدعائم والأسس التي يقوم عليها صرح الفقه الإسلامي، فهي قاعدة فقهية أصولية عامة، وصارت أصلًا مقطوعًا به لتوافر الأدلة عليها.

قال الإمام الشاطبي: إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع، ويندرج تحت هذه القاعدة من القواعد الفقهية التي يحصل بينها تداخل أو اتحاد يدخل تحتها قواعد عدة:

منها: الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق.

ومنها: الضرورات تبيح المحظورات.

ومنها: الضرورات تقدر بقدرها.

ومنها: الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.

ومنها: الاضطرار لا يبطل حق الغير.

وهذه القاعدة من القواعد الكلية الكبرى، وهي تفيد أن الصعوبة إذا وجدت في شيء من الأشياء كانت سببًا شرعيًا صحيحًا للتسهيل والتخفيف ورفع المعاناة عن المكلف عند تنفيذ الأحكام بوجه ما.

والمراد بالمشقة التي تكون سببًا في التيسير هي المشقة التي تنفك عنها التكاليف الشرعية دون المشقة التي لا تنفك عنها، كمشقة الجهاد، وألم الحدود ورجم الزناة، وقتل البغاة والمفسدين والجناة، فهذه المشقة لا أثر لها في جلب تيسيرٍ ولا تخفيف، وجلب الشيء معناه سوقه والمجيء به من موضع إلى موضع.

 

وأما المعنى الاصطلاحي الشرعي للقاعدة فيفيد أن الأحكام التي ينشأ عنها حرجٌ على المكلف، وفيها مشقة تلحقه في نفسه أو ماله، فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسرٍ أو إحراج

 

الأدلة التي على هذه القاعدة:

 

وهي أدلة كثيرة: في القرآن الكريم دل عليها الكتاب العزيز: ومنها قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ) (البقرة: من الآية: 185).

ومنها قوله تعالى: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) (البقرة: من الآية: 286)... إلى غير ذلك من الآيات، وهي في مجموعها تدل على أن الله تعالى شرع الأحكام سهلة ميسرة على العباد، فما من عمل من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهو في وسع المكلف وفي مقتضى إدراكه، ودلت كذلك على أن الحرج مرفوع عن هذه الأمة في كل ما يُلحق ضيقًا بالمكلف في نفسه أو جسمه أو بهما في الدنيا والآخرة.

 

وانطلاقًا من هذه الآيات استنبط الفقهاء هذه القاعدة وجعلوها بمثابة نبراس يستضيئون بها عند النوازل والوقائع، ويعالجون كثيرًا من المسائل والقضايا على أساس هذه القاعدة، وقد جاء في (تفسير المنار) عند قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) أن الآية الكريمة تشعر بأن الأفضل أن يصوم المكلف إذا لم يلحقه مشقة أو عسر لانتفاء علة الرخصة، وإلا كان الأفضل أن يُفطر لوجود علتها، وذلك بأن الله لا يريد إعنات الناس بأحكامه، وإنما يريد اليسر بهم ويريد الخير لهم، وهذا أصلٌ في الدين يرجع إلى غيره، ومنه أخذوا قاعدة المشقة تجلب التيسير، هذا هو دليل القاعدة من القرآن.

وأما دليلها من السُّنة المطهرة:

فقد ورد في السنة كثيرٌ من الأحاديث التي تشير إلى معنى هذه القاعدة الشرعية، وليس أدل على ذلك من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصف هذا الدين بالحنيفية السمحة، فهناك روايات وردت بهذه الصيغة أجودها: (إن الدين عند الله الحنيفية السمحة لا اليهودية ولا النصرانية).

قال الإمام العلائي في (المجموع المذهب في قواعد المذهب): الوجه الثاني أن أجود ما رويناه في فوائد أبي عمرو بن منده بسندٍ صحيحٍ عن أُبي بن كعب -رضي الله عنه- قال:(أقرأني النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الدين عند الله الحنيفية السمحة لا اليهودية ولا النصرانية)وهذا مما نسخ لفظه وبقي معناه.

وجاء في حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (بعثت بالحنيفية السمحة، ومن خالف سنتي فليس مني) وقال -صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) وقال فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة وغيره: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).

قال الإمام ابن حجر: وسُمي الدين يسرًا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله وضع عن هذا الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة لهم أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وأن توبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم، ومن هذا الباب ما روى البخاري عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون)

 

قال ابن دقيق العيد: فيستحب التمسك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها، ولا تترك على وجه التشديد على النفس والتنطع والتعمق.

وعن أبي مسعود الأنصاري قال: (قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فما رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في موعظة أشد غضبًا من يومئذٍ، فقال: أيها الناس إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة).

وقد انعقد الإجماع بين علماء الأمة الإسلامية على عدم وقوع المشقة غير المألوفة في أمور الدين، ولو كان ذلك واقعًا لحصل التناقض والاختلاف في الشريعة، وذلك منفي عنها. وبالنظر في تلك الأحاديث نجد أنها قد انتظمت ثلاثة جوانب على اختلاف موضوعاتها والمناسبات التي وردت فيها:

أول هذه الجوانب: أن بعضها يتناول يسر هذا الدين وسماحته ورفع الحرج عن العباد.

والثاني: يتعرض لأوامر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتخفيف ونهي الناس عن التعمق والتشديد.

والثالث: فيه بيان ما ترك -صلى الله عليه وسلم- من بعض القرب خشية المشقة على أمته.

وهي في مجموعها متحدة في معناها ومغزاها، وهي كلها قد تجلى فيها القصد إلى وضع الحرج عن الأمة، ويدخل تحت هذه القاعدة أنواع من الفقه منها في العبادات التيمم عند مشقة استعمال الماء على حسب تفاصيله في الفقه، ومنها القعود في الصلاة عند مشقة القيام وفي النافلة مطلقًا، ومنها قصر الصلاة في السفر والجمع بين الصلاتين... إلى غير ذلك، ومن التخفيفات أيضًا أعذار الجمعة والجماعة وتعجيل الزكاة، والتخفيفات في العبادات والمعاملات والمناكحات والجنايات.

من التخفيفات المطلقة: فروض الكفاية وسننها، والعمل بالظنون لمشقة الاطلاع على اليقين.

وأخيرًا يجب أن يُعلم أن المشقة تجلب التيسير إذا لم يوجد نصٌّ في المسألة المفروضة، أما إذا وُجِدَ فيها نصٌّ فلا يجوز العمل على خلاف النص بداعي جلب التيسير وإزالة المشقة، أو لمراعاة المصلحة، ونظام السماحة والتيسير في الشريعة الإسلامية لا يقتصر على شئون العبادات، وإنما يتسع لكل أحكام الشريعة من معاملات مدنية، أو تصرفات شخصية، أو عقوبات جزائية، أو تشريعات قضائية ونحوها.

وصفوة القول: أن هذه القاعدة -المشقة تجلب التيسير- مستخلصة من الآيات والأحاديث التي عرضناها وغير ذلك، وكذلك القواعد التابعة لهذه القاعدة العامة الأساسية، فإنه يدور معناها وينبثق من النصوص الشرعية، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر القواعد التالية، وهذه القواعد هي المكملة لقاعدة المشقة تجلب التيسير.

 

القواعد المتداخلة مع قاعدة: المشقة تجلب التيسير

 

·        إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق

وهذه القاعدة تدل على أنه إذا ظهرت مشقة في أمر من الأمور فإنه يرخص فيه ويُتوسع في حكمه، فإذا زالت المشقة عاد الأمر إلى ما كان عليه، وهذا هو معنى القاعدة. فمعناها: أنه إذا حصلت ضرورة عارضة للشخص أو الجماعة، أو طرأت ظروف استثنائية أصبح الحكم الأصلي للحالات العادية محرجًا للمكلفين ومرهقًا لهم بحيث يجعلهم في ضيقٍ عند التطبيق، فإن هذا الظرف العارض للإنسان يقتضي التخفيف والتيسير ما دامت تلك الضرورة قائمة، فإذا انفرجت الضرورة وزالت عاد الحكم إلى أصله، وهذا معنى إذا اتسع الأمر ضاق.

 

مثال:

لو تحقق عسر مديون لا كفيل له بالمال، فيرخص بالتأخير وقت اليسر، ولو ثبت عدم اقتداره على دفع الدين دفعة واحدة؛ فيرخص له بتأدية الدين مقسطًا كذلك، ومعنى هذا أنه يجب إنظار المعسر إلى ميسرة.

وقد ثبتت الأدلة لهذه القاعدة من الكتاب، والسنة الصحيحة:

فمن الكتاب قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (النساء: من الآية: 101) ووجه الدلالة أن الله -سبحانه وتعالى- خفف عن المؤمنين في حال الخوف، فأباح لهم قصر الصلاة، وتغيير كيفية أدائها، وشرع لهم صلاة الخوف.

ثم قال تعالى: (فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (النساء: من الآيات: 103 -104) حيث قد أمرهم المولى -سبحانه وتعالى- عند الاطمئنان، وزوال حالة الخوف بإتمام الصلاة وأدائها على كيفيتها الأصلية.

ودليل القاعدة من السنة، ما أخرجه أبو داود عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت سمعت عائشة -رضي الله عنها- قالت: دف  ناس من أهل البادية، وحضرت الأضاحي في زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (ادخروا الثلث وتصدقوا بما بقي)، قالت: فلما كان بعد ذلك، قيل: يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم، ويجملون منها الودك، ويتخذون منها الأسقية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وما ذاك؟ قالوا: نهيت عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا).

وفي رواية قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:  (إنما نهيتكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث؛ لكي تسعكم فقد جاء الله بالسعة فكلوا وادخروا)، فقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، أو فوق الثلث لما ضاق الأمر لحاجة الوفود التي دفت على المدينة، فلما رحل هؤلاء الوفود اتسع الأمر، وزالت الحاجة، ورجع الأمر إلى أصله فأباح لهم الادخار، والانتفاع كما كانوا قبل ذلك.

 

وننتقل بعد ذلك إلى بيان ما يندرج تحت هذه القاعدة من مسائل، منها:

·        جواز دفع السارق، والباغي ما أمكن إلى أن يندفع شره، ولو بالقتل؛ ولهذا قال الإمام علي: لا تتبعوا موليا ولا تجهزوا على جريح؛ لأن القصد من القتال كان لدفع الضرر، وقد حصل بهربه أو جرحه، فلا يجوز الزيادة عليه؛ لأن ما جَازَ لأمرٍ امتنع بزواله.

·        ومن المسائل التي تندرج تحت قاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع الأمر ضاق" جواز قبول شهادة الأمثل فالأمثل، عند فقد العدالة أو عند ندرتها كما هو مصرح به في (معين الحكام) في باب القضاء بشهادة غير العدول للضرورة.

·        ومن المسائل المندرجة تحتها: إباحة أكل الميتة للمضطر، أو أكل مال الغير على أن يضمنه حفظا للحياة، ومنها شهادة النساء والصبيان في الحمامات، والمواضع التي لا يحضرها الرجال؛ دفعا لحرج ضياع الحقوق، والأصل في ذلك متفق عليه، ولكن اختلفوا في الفروع.

 

·        الضرورات تبيح المحظورات

وهذه القاعدة لها ارتباط وثيق بقاعدتي "لا ضرر ولا ضرار" وبقاعدة "المشقة تجلب التيسير" والضرورات جمع ضرورة، وأصلها الضرر، وهو الضيق، والمحظورات هي الممنوعات، ومعنى القاعدة أن الأشياء الممنوعة تعامل كالأشياء المباحة وقت الضرورة، وتعتبر حالة الضرورة من أعلى أنواع الحرج ومن أشدها، ومن أكثرها أهمية من الحاجة وهي أكبر خطرا.

ومعنى هذا أن الممنوع شرعا يباح عند الضرورة، وقد دلت عليها آيات من كتاب الله -عز وجل- منها: قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (المائدة: من الآية: 3) ونظائرها مثل قوله تعالى:(إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) (الأنعام: من الآية: 119) وبعد تعداده جملة من المحرمات قال الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه) (الأنعام: من الآية: 119).

فالقاعدة مستفادة من استثناء القرآن الكريم لحالات الاضطرار في ظروف استثنائية خاصة، وهي قاعدة أصولية فقهية، وتتعلق بالرخص الشرعية، وهذه الرخص التي تُخَرَّج على قاعدة الضرورة، ثلاثة أنواع فالرخص التي تخرج عليها ثلاثة أنواع:

النوع الأول: يفيد إباحة الممنوع ما دامت حالة الضرورة قائمة، كالأكل من الميتة للمضطر بقدر دفع الهلاك عند المجاعة، وكأكل لحم الخنزير، وإساغة اللقمة بالخمر عند الغصة، أو عند الإكراه التام بالقتل أو قطع عضو؛ لأن الاضطرار كما يتحقق بالمجاعة، يتحقق بالإكراه التام لا بالإكراه الناقص.

فهذه الأشياء تباح عند الاضطرار لقوله تعالى: (إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) أي: إلا إذا دعتكم شدة الحاجة، وشدة المجاعة لأكلها، والاستثناء من التحريم إباحة، وكما يتحقق الاضطرار بالمجاعة تتحقق أيضا بالإكراه التام، فيباح التناول ويحرم الامتناع، حتى لو امتنع ومات، أو قتل كان آثما؛ لأنه بالامتناع صار ملقيا بنفسه إلى التهلكة، وقد نهى الشرع عن ذلك.

وأما إن كان الإكراه بحبس أو بضرب لا يخاف منه التلف، فلا يحل له أن يفعل المحظور، هذا هو النوع الأول من أنواع الرخص التي ترخص عند الضرورة.

النوع الثاني من الرخص: وهو لا تسقط معه حرمة الممنوع بحال، فيبقى الفعل المحظور حراما، لكن رخص في الإقدام عليه لحالة الضرورة، كإتلاف مال المسلم أو القذف في عرضه، أو إجراء كلمة الكفر على لسانه مع اطمئنان القلب بالإيمان، وهذا بشرط أن يكون الإكراه تاما.

فهذه الأفعال في نفسها محرمة مع ثبوت الرخصة، وأثر الرخصة يكون في تغير حكم الفعل المحظور، وهو رفع المؤاخذة فقط، لا في تغيير وصفه وهو الحرمة، وفي هذا النوع يكون الامتناع عن الفعل أفضل، فإنه لو امتنع فقتل كان مأجورا عند الله، هذا هو النوع الثاني من أنواع الرخص التي تباح عند الضرورة.

النوع الثالث أفعال لا تباح بحال: ولا ترخص لإنسان أصلًا، لا بالإكراه التام، ولا بغيره، وذلك كقتل المسلم، أو قطع عضو منه، والزنا وضرب الوالدين، أو ضرب أحدهما، فهذه الأفعال لا تباح، ولا يجوز الإقدام عليها، ولا ترفع المؤاخذة، ولا الإثم لو فعل شيئا منها مع الإكراه؛ لأنه قد تعارض هنا مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما، فقتل المسلم أشد من تهديده بالقتل، ولو قتل في هذه الحالة كان مأجورا، ولو قتل كان ظالما، لكن لو قتل في هذه الحالة، هل يقتص منه، أو ممن أكرهه على القتل، أو من كليهما؟خلاف بين الفقهاء.

ولو زنا تحت الإكراه التام، فإنه يسقط عنه الحد لشبهة الإكراه، لكن لا يرتفع عنه الإثم، وبناء على ذلك فإن هذه القاعدة لا تتناول النوع الأخير؛ لأنه لا يباح بحال من الأحوال؛ فيكون النوع الأخير مستثنى من هذه القاعدة، وهي إنما تتناول النوع الأول مع ثبوت إباحته لكن لا ترفع الضمان، لو اضطر إنسان لأكل مال الغير، وهي تبيح النوع الثاني مع بقاء حرمته، والترخيص إنما هو في رفع الإثم كنظر الطبيب إلى ما لا يجوز الكشف عنه شرعًا من مريض، أو جريح، فإنه ترخيص في رفع الإثم لا في رفع الحرمة، وكالاضطرار لأكل مال الغير عند المخمصة، فإنه لا يسقط حرمة مال الغير، بل يسقط الإثم، ويجب عليه الضمان أو أن يستحل من صاحبه.

وهذه القاعدة زاد عليها الشافعية قيدا وهو: عدم نقصان الضرورة عن المحظور، فإذا نقصت فإنه لا يباح المحظور، وهذا الشرط ملتزم عند غير الشافعية، وإن لم يقولوه، فإنه لو أكره إنسان على قتل غيره، فلا يرخص له، وكذلك لو دفن الميت بغير تكفين لا ينبش عليه؛ لأن مفسدة هتك حرمة الميت أشد من مفسدة عدم تكفينه؛ لأن الستر بالتراب قام مقامه، وإن كان هذا في الحقيقة يندرج تحت القاعدة القائلة بـ"اختيار أهون الضررين".

 

·        الضرورات تقدر بقدرها

 هذه القاعدة وضعت عقب القاعدة السابقة، وهي قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" لتنبه على أن ما تدعو إليه الضرورة من المحظورات إنما يرخص منه، بالقدر الذي تندفع به الضرورة فحسب.

فهي كالقيد عليها، فإذا اضطر الإنسان لفعل محظور، فليس له أن يتوسع في فعل المحظور، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط.

وهذه القاعدة مرتبطة بالقاعدة الأم "الضرر يزال" ولها ارتباط بقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" فمضمون القاعدة هذه "أن الضرورات تبيح المحظورات مطلقا" فجاءت قاعدة الضرورات تقدر بقدرها؛ لتبين أن الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها، أي: لا بد أن تقدر الضرورة بقدرها، وما زاد على قدر الضرورة فباقٍ على الحظر، والمحظور هو ارتكاب ما نهى الله عنه في الظروف العادية، والضرورة هي العذر الذي يجوز بسببه فعل الشيء الممنوع.

إذا عرفنا أن هذه القاعدة جاءت؛ لتقيد القاعدة السابقة، فإننا ننتقل إلى بيان الدليل عليها، ودليل هذه القاعدة، والأصل الذي بنيت عليه: هو قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (البقرة: من الآية: 173) وكذلك قوله تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

ووجه الدلالة من هاتين الآيتين، أن الله تعالى حرم الأكل من الميتة إلا عند الضرورة، فيباح الأكل على مقدار سد الرمق؛ لأن ما بعد سد الرمق غير مضطر إليه، فلا يباح، ولا فرق بين المحرم من المأكول والمشروب، ولكن إذا كان المشروب مسكرًا، واضطر إليه فلا يشرب؛ لأنه لو شربه لعطش، فهو حينئذ لا يزيل العطش، بل يثيره ما لم يغص بلقمة، ولم يجد غير المسكر، فله أن يسيغها به.

وارتباط هذه القاعدة بالقاعدة الأم "الضرر يزال" ظاهر وقوي من حيث إننا لو لم نقدر الضرورة بقدرها، وقع الضرر؛ لأن مجاوزة القدر المطلوب لإزالة الضرورة، وقوع في الحرام، وهو ضرر فلا يتحقق الضرر يزال إلا إذا أزيل بقدره.

ننتقل بعد ذلك إلى الفروع التي تندرج تحت هذه القاعدة، ولهذه القاعدة فروع وهي تدور حول جواز إباحة المحظور، وأن يكون بقدر الضرورة، ومن هذه الفروع الاستشارة في الخاطب، فإذا استشير إنسان في خاطب، اكتفى بالتعريض لا يعدل عنه إلى التصريح، إلا إذا كان المستشير لا يفهم بالتعريض.

والتعريض هو ما يفهم من عرض الكلام، ومن فحواه وكل ما تكون دلالته على المراد بالإشارة، فهو من التعريض، فالضرورة هنا معرفة صلاحية الخاطب، فإذا فهم المستشير بالتعريض، فلا يجوز للمستشار التصريح بما في الخاطب من عيوب؛ لأن ذلك يوقعه في أعراض الناس بلا ضرورة.

أما إذا كان لا يفهم إلا بالتصريح، فيجوز التصريح في تلك الحالة للضرورة، ومن التعريض أن يقول هذا الخاطب: لا يصلح لكم، والله يعوضكم بغيره؛ ولهذا قالوا: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب.

·        ومن الفروع مداواة الرجل المرأة، فيجوز للرجل أن يداوي المرأة، ولو كانت أجنبية، ولكن لا يجوز له أن يكشف من جسدها إلا بقدر ما يلزم للعلاج من سائر الأمراض، فإذا كشف ما يزيد عن مقدار الضرورة كان آثما، وتكون المرأة هي الأخرى آثمة، إذا كشفت عما يزيد على قدر الضرورة، إذ لو زدنا على قدر الضرورة لما صدق "الضرر يزال" ولما رفعناه وخرج بالأجنبية المحرم، فإنه يراعى ما يحل له النظر إليه، ويقف عند حد الضرورة، فيما لا يجوز.

·        ومن الفروع التي تندرج تحت القاعدة اقتناء الكلاب للصيد، فإنه يجوز اقتناء الكلاب إذا كان للحراسة، أو للصيد أو التعرف على المجرمين بواسطة الكلاب البوليسية المدربة([1][30]).فهذا جائز للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها؛ لما روي: (أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة؛ فقد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- جبريل عن ذلك فقال: لقد منعنا أن ندخل بيتًا فيه كلب أو صورة)([2][31]).

 

·        الحاجة تنزل منزلة الضرورة

وهذه القاعدة معناها أنه إذا كانت هناك حاجة عامة لمجموع الناس، أو كانت خاصة لشخص ما نزلت هذه الحاجة منزلة الضرورة في جواز الترخيص لأجلها. فالمراد بالحاجة هنا ما كانت دون الضرورة، والضرورة الحالة الملجئة إلى ما لا بد منه، والفرق بين الحاجة والضرورة: أن حكم الأولى مستمر، وأن حكم الثانية مؤقت بمدة قيام الضرورة، إذ الضرورة تقدر بقدرها، والظاهر أن ما يجوز للحاجة إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوزه، أو تعامل أو لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه، وكان له نظير في الشريعة يمكن إلحاقه به، وقد جعل ما ورد في نظيره واردا فيه.وأما ما ورد فيه نص يمنعه بخصوصه، فعدم الجواز فيه واضح، ولو ظنت فيه مصلحة؛ لأنها حينئذ من قبيل الوهم.

والحاجة منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، ولكل واحدة منهما فروع وتطبيقات.

أما الحاجة العامة، فمن فروعها الإجارة والجعالة والحوالة، والسلم والاستثمار، ودخول الحمام والوصية، فهذه الفروع جوزت على خلاف القياس للحاجة إليها، ومن هذه الفروع:

·        أعمال السمسرة التي جازت نظرا لحاجة الناس إليها ، وأعمال السمسرة تأخذ حكم الجعالة، إذ هي ما يعطيه شخص لسمسار لأجل أن يدله على شراء قطعة أرض أو شقة أو سيارة، أو نحو ذلك فيجوز مع ما ينطوي عليه عمله من الغرر، فقد يحضر له ما يريد وقد لا يحضره، وإذا أحضره فقد يناسبه، فيتم العقد وقد لا يناسبه فلا يتم العقد، ولكن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، فأجيز هذا العقد للحاجة إليه، هذا هو عقد أعمال السمسرة.

·         عقد الحوالة، وهي عقد يقتضي انتقال دَيْن حق من ذمة إلى ذمة أخرى، وحقيقة الحوالة أنها بيع دين بدين، فإن المحيل يشتري ما في ذمته بما له في ذمة المحال عليه، وهي أي: الحوالة من وسائل استيفاء الحقوق، والأصل أن الحوالة وهي بيع دين بدين لا تجوز؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الدين بالدين.

 

ولكن الصحيح أن الحوالة عقد إرفاق، فكانت مشروعة والدليل لمشروعيتها قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) والمطل معناه: التأخير في دفع الحق، والتأخير والامتناع عن أدائه لصاحبه من غير عذر.

هذا هو المطل، والمليء: هو الغني، والأمر في الحديث للوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب؛ لاشتراط الرضا في العقود الرضائية، إذ أن الرضا معناه توافق إرادة شخص بحريته، ورغبته واختياره مع إرادة شخص آخر على إبرام عقد، أو إنشاء التزام معه.

وقد أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة لحاجة الناس إليها، فقد يكون المدين له دين على غيره، وصاحب المال محتاج إليه، فمن اليسير عليه أن يأخذ ماله من المحال عليه، هذا هو خلاصة ما يقال في عقد الحوالة.ننتقل بعد ذلك إلى عقد السلم، وعقد السلم هو بيع شيء موصوف في الذمة، أو هو بيع عاجل بآجل، والآجل السلعة والعاجل الثمن، وقد أجازه الشارع نظرًا لحاجة الناس إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار، وأصحاب التجارات قد تعوزهم النفقة، فمن أجل ذلك جوز الشرع لهم السَّلَم؛ لينتفع طرفا العقد جميعًا كل حسب حاجته، وقصده.والقياس أنه لا يجوز هذا العقد؛ لأنه بيع معدوم، ولكن جوز نظرا لاحتياج الناس، وتيسيرا عليهم في أمور حياتهم، على خلاف القياس في بيع المعدوم.

إذا عرفنا أن عقد السلم هو بيع معدوم، وجُوِّز لحاجة الناس إليه فإننا ننتقل إلى عقد مشابه له، وهو عقد الاستصناع، وعقد الاستصناع هو عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل الصانع شيئا، وكان مقتضى القياس أن عقد الاستصناع لا يجوز؛ لانعدام الصنعة وقت التعاقد، ولكنه جوز؛ نظرا لحاجة الناس، وهي حاجة ماسة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- فعله فقد استصنع خاتمًا ومنبرًا، وهذا من أقوى الحجج على جواز عقد الاستصناع.

وما وقع في هذا العقد من خلاف، فليس في أصل جوازه، بل في أنه بيع أو عدة، والصحيح أن عقد الاستصناع بيع له شبه بالإجارة، فكان جائزا بسبب تعامل الناس به، وحاجتهم إليه، ولا يزال الناس يتعاملون به منذ عصر الرسالة إلى يومنا هذا.

وهذا العقد يفيد ثبوت الملك في البدلين لكل من المتعاقدين، وبعبارة أخرى: يفيد ثبوت الملك للمستصنع في العين المبيعة في الذمة، وثبوت الملك للصانع في الثمن ملكا غير لازم.

 

·        الحاجة الخاصة تنزل منزلة الضرورة

 

فالحاجة إما أن تكون عامة، وإما أن تكون خاصة، وهذه الحاجة عامة أو خاصة تنزل منزلة الضرورة.

ومن الحاجة الخاصة تطبيب الإناء، فيجوز تطبيب الإناء بالفضة للحاجة، ومعنى تطبيب الإناء بالفضة أي: إصلاح الكسر الذي بالإناء، إذ التطبيب وضع الضبة على موضع الكسر؛ ليلتئم ثم استعمل في كل ما يوضع على الإناء، ولو للزينة سواء كان التطبيب صغيرا أو كبيرا، ذهبا أو فضة.

أما ضبة الذهب، فتحرم مطلقا كبيرة أو صغيرة؛ لحاجة أو لزينة وهو المعتمد، كما صححه النووي، وأما ضبة الفضة، فالكبيرة حرام عند الأئمة الثلاثة.

وقال أبو حنيفة: لا يحرم الإناء المضبب بالفضة مطلقا، ووجه الأول كمال الورع، ومن الورع التباعد عن الإناء المضبب كالتباعد عن الإناء الكامل من الفضة.

ووجه الثاني العفو والتسامح في مثل هذا، ومرجع الكبر والصغر في الضبة إلى العرف، والمراد بالعرف ما استقر في العقول، وتلقته الطباع السديدة بالقبول، ولا يرجع إلى العرف إلا فيما لا نص فيه من الشارع، وإنما حرم الإناء المضبب بالذهب دون الفضة؛ لأن الخيلاء في الذهب أشد من الخيلاء في الفضة، ولأن الفضة أوسع من الذهب بدليل جواز الخاتم للرجل منها دون الذهب، هذا هو المثال الأول من الأمثلة التي تكون حاجة الناس فيها خاصة.

ومن الأمثلة أيضا خيار التعيين: وخيار التعيين يجوز مع أنه يجعل المبيع مجهولا، ولكن جوز هذا البيع للاحتياج إليه؛ لأن بعض الناس قد لا يمكنه أن يشتري شيئا بدون استشارة العارفين، وصورة ذلك أن يذهب شخص إلى تاجر ساعات مثلا، ويختار من بين الساعات المعروضة أكثر من واحدة، ثم يتعاقد المشتري مع البائع على شراء واحدة غير معينة من الساعات التي أخذها من التاجر، على أن يكون له خيار التعيين، فإذا وقع اختياره على واحدة منها أصبح العقد لازما، وانتهى الخيار، وهذا من بيع المجهول فيكون فاسدا، فيمنع؛ لأنه يؤدي إلى الغرر المنهي عنه، ولكن أجيز لمسيس الحاجة إليه، وهي رفع الغبن عن المشتري الذي لا دراية له بالبيع والشراء، وبهذا النوع من الخيار قال الحنفية والمالكية والإمامية، وبعض الزيدية، واستدلوا على ذلك بالقياس، حيث إنهم قاسوا خيار التعيين على خيار الشرط، والجامع بينهما وجود الحاجة إلى رفع الغبن في كل منهما.

 

والظاهر أن ما يجوز للحاجة، إنما يجوز فيما ورد نص يجوزه، أو تعامل أو لم يرد فيه شيء منهما، ولكن لم يرد نص يمنعه بخصوصه، وكان له نظير في الشرع، يمكن إلحاقه به، وجعل ما ورد في نظيره واردا فيه، أو لم يكن له نظير جائز في الشرع، يمكن إلحاقه به، ولكن كان فيه نفع ومصلحة، كما وقع في الصدر الأول من تدوين الدواوين، وضرب الدراهم والعهد بالخلافة، وغير ذلك مما لم يرد به الشرع، ولم ينهَ عنه، ولم يكن له نظير من قبل فإنه دعت الحاجة إليه وسوغته المصلحة.

وأما ما لم يرد فيه نص يسوغه، ولا تعاملت عليه الأمة، ولم يكن له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وليس فيه مصلحة ظاهرة، فالذي يظهر عندئذ عدم جوازه؛ جريا على ظواهر الشرع؛ لأن ما يتصور فيه أنه حاجة، والحالة هذه يكون غير منطبق على مقاصد الشرع.

تطبيقات على قاعدة الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة، ومنها تجويز الوصية فإن القياس يأباها؛ لأن الوصية تمليك مضاف لما بعد الموت، والتمليكات لا تقبل الإضافة، وأيضا ينتقل الملك بالموت إلى الوارث فلم يبقَ للمورث بعد الموت مال، أو شيء موروث، حتى يملكه للغير، ولكن جوزت الوصية بنص الكتاب العزيز للحاجة إلى هذا التصرف لمصلحة المورث، الذي يريد أن يتدارك ما فاته من أعمال الخير في حياته من قبل، ويريد أن يستدرك ذلك عن طريق الوصية.

 

فالوصية كما شرعها الله تمليك مضاف لما بعد الموت، وطريق التبرع سواء كان الموصى به عينا، أو منفعة فللإنسان أن يوصي في حال حياته، بأن يصرف جزءًا من ماله بعد موته لشخص معين، أو في عمل من أعمال الخير، أو في أداء ما وجب عليه من الفرائض، والواجبات التي قصر في أدائها، وهو يريد أن يتدارك ما فاته منها إبراءً لذمته، وتحصيلا للثواب الذي هو في أشد الحاجة إليه، عوفي الوقت نفسه يخشى أن يتبرع بماله في حياته، ثم تمتد به الأيام ويطول به الأجل، فيحتاج إلى ماله في قضاء مصالحه في الدنيا، ودفع حاجته فيها، فهو بين الرغبة في الاستزادة من الثواب، والخشية من العوذ وذل الحاجة في الحياة، وهذه مصلحة أكيدة ومعتبرة شرعا، ومن أجل ذلك شرع الله الوصية للناس رحمة بهم، وتمكينا لهم من مقاصدهم في فعل الخير، مع تأمين حياتهم من شر الفقر والفاقة، ففتح لهم بذلك أبواب الخير بنفوس مطمئنة، وتصدق عليهم بثلث أموالهم، يوصون فيه بما يريدون، ولا تنفذ الوصية إلا بعد موتهم إذا استمروا على وصيتهم وماتوا دون أن يرجعوا فيها.

فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم، فضعوه حيث شئتم، أو حيث أحببتم) ولم تجز الوصية فيما زاد عن الثلث، فهي محددة بثلث المال؛ مراعاة لحق الورثة، فأبقى لهم الثلثين لا تنفذ فيهم وصية مورثهم، إلا إذا أجازوها، فكانت حاجة الناس ماسة إلى الوصية، فأجيزت لما ورد فيها من نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، والعقل يحكم بذلك مع الشرع.

فقد قال الكاساني: إن الإنسان يحتاج إلى أن يكون ختم عمله بالقربة؛ زيادة على القرب السابقة على ما نطق به الحديث: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم، زيادة في أعمالكم، فضعوه حيث شئتم أو حيث أحببتم) أو تداركا لما فرط في حياته، وذلك بالوصية فهذه العقود وغيرها ما شرعت إلا لحوائج العباد إليها، فإذا مست الحاجة إلى الوصية، وجب القول بجوازها، والحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة.

والتركة التي تنفذ الوصية من ثلثها هي ما بقي من المال، بعد تجهيز الميت وسداد ديونه إن وجدت؛ لأن ذلك من ضروراته التي لابد من الصرف إليها أولا سواء في حالتي الحياة، أو الممات.

والأفضل في الوصية المندوبة والمباحة أن يقدم الموصي ما لا يرث من قرابته المحارم، ثم غير المحارم، ثم بالرضاع ثم بالمصاهرة، ثم بالجوار والصدقة المنجزة، ومن كانت له ورثة لا تغنيهم تركته، فلا يستحب له أن يوصي؛ لأن إغناء الورثة خير من إعطاء الأجنبي؛ ولهذا قال الأئمة الأربعة والزيدية: بعدم وجوب الوصية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مات ولم يوصِ، ولو كانت الوصية فرضا ما تركها

.

·        الاضطرار لا يبطل حق الغير

إذا عرفنا هذه القاعدة، وأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة أو خاصة، وضربنا الأمثلة عليها والتطبيقات التي أوردناها، فإننا ننتقل إلى قاعدة مشابهة من القواعد التي تؤكد القاعدة الكبرى، وهي قاعدة "الاضطرار لا يبطل حق الغير".

وهذه القاعدة معناها: أن الاضطرار لا يبطل حق الغير سواء كان الاضطرار بأمر سماوي: كالمجاعة والحيوان الصائل، أو غير السماوي كالإكراه الملجئ، والإكراه الملجئ هو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة، ولا اختيار كإلقاء شخص من شاهق على شخص ليقتله، فالشخص الملقى لا قدرة له على الوقوع لا فعلا، ولا تركا.

 

مثال:

مثل ذلك أن يهدد شخص غيره بما يلحق به ضررا في نفسه، أو عضو من أعضائه، ففي الأول يجوز له أن يأكل من مال الغير بقدر ما يدفع به الهلاك عن نفسه جوعا، ويدفع الصائل بما أمكن ولو بالقتل ويضمن في الحالتين، وإن كان مضطرا فإن الاضطرار في حال الإقدام لا في رفع الضمان، وإبطال حق الغير.

وفي الثاني إذا كان واردا على إتلاف مال الغير، فإن المكره يضمنه، فإن الإكراه غير الملجئ، فإنه لا يبيح الإقدام على الإتلاف، ولو أقدم فإن الضمان عليه لا على المكره؛ لأن الاضطرار لا يتحقق في غير الملجئ بالنسبة لمال الغير، وما يعتبر عذر شرعي منهما هو الإكراه الملجئ لقوله -صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه).

ولأن من شرط التكليف أن يكون الفعل مقدورا عليه للمكلف أي: يتأتى له فعله كما يتأتى له تركه، والإكراه الملجئ لا تبقى معه قدرة للمكلف على الفعل المكره عليه؛ لأنه أصبح الصدور عقلا، ولا على ضده؛ لأنه ممتنع الوقوع عقلا، فكل من الواجب العقلي والممتنع العقلي، لا يدخل تحت قدرة المكلف.

ففي حالة الإكراه الملجئ سقط أثر التصرف؛ رخصة من الله تعالى مثل النسيان تماما لقوله -صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) ووجه الدلالة من الحديث أن لفظ "ما" في الحديث يفيد العموم، فيكون حكم كل تصرف أكره عليه الإنسان مرفوعا.

والإقرار من جملة التصرفات، فإن أكره على إقرار بحق للغير عليه، كان هذا الإقرار باطلا لا يؤاخذ به المقر، ولا يترتب عليه أثره إن انتهى الإكراه إلى الإلجاء، وإن لم ينتهِ إلى ذلك، فهو مختار وتكليفه جائز شرعا وعقلا، وبهذا قال الشافعية والحنابلة؛ لأن الإقرار جعل حجة حالة الاختيار؛ ترجيحا لجانب الصدق على جانب الكذب، وعند الإكراه يترجح جانب الكذب على جانب الصدق؛ لوجود القرينة الدالة على أن المقر يريد دفع الضرر عن نفسه، ومن ثم قرر العلماء أن ذلك الحكم يجري في فروع الشريعة كلها.

فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به من أكره، وكذلك يكون الحكم لمن أكره على شرب الخمر، فشرب فلا حد عليه؛ لأن الحد شرع زاجرًا عن الجناية، وشرب الخمر المكره عليه ليس جناية، بل هو مباح لشبهة الإكراه، وكذلك يكون الحكم فيما لو أكره على السرقة، فلا إثم على السارق المكره، ولا حد عليه لقوله -صلى الله عليه وسلم :(إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه).

ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه هنا شبهة تمنع الحد، وهذا إذا كان الإكراه ملجئا، فإن كان غير ملجئ، وكان بحبس أو قيد مثلا من غير أن يمنع عنه الطعام أو الشراب، فلا يحل له شيء من المحرمات؛ لعدم الضرورة، فإذا تناول شيئا من المحرمات وجب إقامة الحد قياسا؛ لأنه لا تأثير بالإكراه بالحبس، ونحوه فوجود هذا الإكراه يعتبر في حكم العدم، ومع هذا فلا يجب الحد في حالة الإكراه غير الملجئ؛ استحسانا، وأما من أكره على إتلاف مال الغير، فإن هذا الإكراه وإن أباح إتلاف مال الغير إلا أن حرمته باقية مع الإكراه؛ لأن إتلاف مال الغير حرام حرمة لا تحتمل السقوط، وهذه الحرمة متعلقة بحق من حقوق العباد، فإن مال المسلم معصوم، ووجوب عدم إتلافه حق من حقوقه، فيكون إتلافه إهدارا لهذه العصمة، وهو حرام.

 

ولهذا فإن المكره إذا امتنع عن إتلاف مال الغير، حتى قتل كان شهيدا؛ لأنه بذل مهجة نفسه لدفع الظلم، فاستحق لذلك الأجر والثواب وبلغ درجة الشهداء، ومثله في ذلك كمن امتنع عن ترك العبادات المفروضة كالصلاة ونحوها حتى قتل، فإنه يكون شهيدا.

ولهذا فقد اتفق الفقهاء على وجوب الضمان، وهو على الرأي الراجح على المُكْرِه لا على المُكْرَه؛ لأنه وإن باشر القتل فإنه كالآلة للحامل الذي أكرهه على الإتلاف، ولكن الإكراه الملجئ لا يبيح الجرائم التي تضر بالنفس، أو بالعضو.

 

وأيضا لا يبيح الزنا بالمرأة، فإن الزنا حرام؛ لأنه في حد ذاته من الجرائم البشعة التي لا تحل في دين من الأديان؛ لما فيه من المفاسد التي منها هتك العرض، والعار الذي يلحق بالمزني بها، وبأسرتها فإن هذا العار قد يستمر أجيالا، يلاحق أسرتها ويلاحق من ينتسب إليها فضلا عن أن الزنا جريمة لا يغتفرها أي مجتمع لمن ارتكبها سواء كان رجلا أو امرأة، مهما كان الدافع إليها، وهذا كله يدل على أن حق الغير لا يسقط بالاضطرار، مهما كانت درجته، وقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه).وقال ذلك، وأعلنه في حجة الوداع حيث قال: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا هل بلغت، أللهم فاشهد فليبلغ الشاهد منكم الغائب).

 

4- قاعدة: الضرر يزال

 

هذه القاعدة من أهم القواعد، وأجلها شأنًا في الفقه الإسلامي، ويتفرع عنها كثير من القواعد، ولها تطبيقات واسعة في مختلف المجالات الفقهية، ولعلها تتضمن نصف الفقه، فإن الأحكام الشرعية، إما لجلب المنافع أو لدفع المضار، فيدخل فيها دفع الضروريات الخمس التي هي حفظ الدين، والنفس، والنسب، والمال، والعرض، فهي ترجع إلى تحصيل المقاصد، وتقريرها بدفع المفاسد، أو تخفيفها.

والضرر: ما قابل النفع، فكل ما ليس بنفع فهو ضرر، والضرر يزال: جملة خبرية لفظا إنشائية معنى؛ لأن الإخبار في كلام الفقهاء للوجوب، فيكون المراد بها الإنشاء أي: أن الأضرار يجب إزالتها، بل هي مزالة من الله ابتداء، ودواما وليس هناك تكليف فيه الضرر؛ لأنه مزال ومرفوع شرعا.

ويدخل تحت هذه القاعدة، وهي قاعدة الضرر يزال، يدخل تحتها قاعدة الضرر لا يزال بالضرر، وهذه القاعدة قيد على القاعدة الأم أي: أن الضرر يزال، ولكن لا بضرر؛ لأنه لو أزيل الضرر بالضرر لما صدق الضرر يزال فشأنها معها، كشأن الأخص مع الأعم.

 

الأدلة التي على هذه القاعدة:

وأصل هذه القاعدة قوله تعالى: في شأن المطلقات: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) (البقرة: من الآية: 231) وقوله تعالى: (وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ) (الطلاق: 6) ومنها قوله تعالى: في شأن الوصية بالدين: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ) (النساء: من الآية: 12) وقال فيما يتعلق بالبيع: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) (البقرة: من الآية: 282).

فقد دلت هذه الآيات وغيرها على تحريم الضرر، وعلى منعه، ومن ثم فلا يجوز شرعا لأحد أن يلحق بآخر ضررا، ولا ضرارا وهذه القاعدة لفظ حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني، وغيرهما عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس وعبادة الصامت، ونصه: (لا ضرر ولا ضرار).

وهذا الحديث يعد من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم- وقد سار مسير القواعد الفقهية الكلية، ولعل أجود الطريق لهذا الحديث ما رواه الحاكم، وغيره عن أبي سعيد الخدري: (من ضار ضره الله، ومن شاق شاق الله عليه) وقد ورد الشق الآخر من الحديث في صحيح البخاري بلفظ: (من شاق شق الله عليه يوم القيامة).

 

قال العلامة ابن الأثير: لا ضرر أي: لا يضر الرجل أخاه، فينقصه شيئا من حقه، والضرار فعال من الضر أي: لا يجازيه إضراره بإدخال الضرر عليه، وإن من يستقرئ أحكام الشريعة في كل جزئياتها، يدرك تماما أن الشارع الحكيم قصد من ذلك تحريم كل أنواع الضرر، وأن هذه الجزئية تندرج تحت أصل كلي يمكن أن يرجع إليه كل ما كان من هذا القبيل.

 

وقد أحسن الإمام الشاطبي قولًا بأن هذا الحديث (لا ضرر ولا ضرار) رغم كونه من الأدلة الظنية، إلا أنه داخل تحت أصل قطعي من أصول الشريعة، وهو منع الضرر في وقائع جزئيات هذه الشريعة، وقواعدها الكلية.كما في قوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) (البقرة: من الآية: 231) وقوله تعالى: (وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)، وقوله تعالى: (لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ) (البقرة: من الآية: 233).

كما ورد النهي عن التعدي على النفوس، والأموال والأعراض وعن الظلم والغصب وكل ما هو في معنى الضرر والضرار بكل صوره وأشكاله، بما في ذلك الجناية على النفس، أو الجناية على العقل أو النسل، فالحديث معناه صحيح، وله أصل ثابت في الشريعة وفي عمومها، وهذا لا مراء فيه لقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (حرم الله من المؤمن: دمه، وماله، وعرضه، وألا يظن به إلا الخير)، وقال فيما أثر عنه -صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام).

وقال حاكيا عن ربه -عز وجل: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا)، وقال الله -عز وجل-: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) (طه: من الآية: 111).

والذي يصح في النظر، ويثبت في الأصول أنه ليس لأحد أن يضر بأحد سواء أضر به قبل أم لا، إلا أن له أن ينتصر، وأن يعاقب إن قدر بما أبيح له من السلطان والاعتداء بالحق الذي هو بمثل ما اعتدي به عليه، والانتصار ليس باعتداء ولا ظلم، ولا ضرر إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة.

وإذا نظرت إلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما اشتملت عليه من قضايا، وجدتها سارية على هذا المنهج، ووجدتها مقررة لهذا المبدأ العظيم، فعلى سبيل المثال ما رواه أهل السنن: أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة عليه، فشكا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمره أن يقبل منه بدلها، أو يتبرع له بها، فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض بقلعها، وقال لصاحب الشجر إنما أنت مضار).

والإجماع قائم بين علماء المسلمين على مدلول هذه القاعدة، ولا نعلم أنهم اختلفوا فيه، والدليل العقلي يتطابق مع الدليل النقلي، فقد ثبت عقلا أن إباحة الضرر قبيح، وأن القبيح لا يليق أن يصدر من الباري سبحانه وتعالى، وذلك؛ لأن المولى -تبارك وتعالى- قد وصف نفسه بالرحمة، ووصف شرعه بأنه إصلاح لشئون العباد، وهذا يتنافى مع وجود الضرر في شرع الله تعالى؛ لأن شرعه قد جاء لنفي الضرر عن العباد.

والمقصود بنفي الضرر إزالة الضرر، بل إن الأضرار مزالة من الله ابتداء، ودواما وليس هناك تكليف فيه ضرر؛ لأنه مزال ومرفوع شرعا، فالإضرار بالغير، ولو كان على سبيل المقابلة لا يجوز أن يكون هدفا مقصودًا، وإنما يلجأ إليه اضطرارا، فمن أتلف مالًا لغيره فلا يجوز أن يقابل ذلك بإتلاف ماله؛ لأن في ذلك توسعة للضرر إلى منفعة، وأفضل منه تضمين المتلف قيمة ما أتلف، وهذا بخلاف الجناية على النفس أو البدن مما شرع فيه القصاص؛ لأن الجنايات لا يقمعها إلا عقوبة من جنسها.

 

وهناك علاقة وثيقة بين قاعدة "الضرر يزال" وبين قاعدة "المشقة تجلب التيسير" فإن بينهما اتحادًا؛ لأن المشقات أضرار، وقد رفعها الله تعالى بقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج 78) ومالا حرج فيه لا ضرر فيه، وعلى هذا فإن قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار" في داخلها قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" فكل ما ينطبق على هذه ينطبق على تلك؛ لأن المشقات أضرار، وقد رفعها الله تعالى فالمسافر والمريض يسر الله لهما في صومهما، وفي صلاتهما.

 

فالمسافر يجوز له أن يقصر الصلاة، وهذا مما امتازت به الشريعة الغراء، ومن المسائل المهمة المبنية على قاعدة "الضرر يزال" فرض الحظر على احتكار السلع التي هي من مقومات الحياة، متى أدى ذلك إلى الضرر بعامة الناس، فكل ما أضر بالمسلمين، وجب أن ينفى عنهم، فإذا كان شراء الشيء بالبلد يغلي سعر البلد، ويضر بالمسلمين منع المحتكر من شرائه؛ نظرا للمسلمين عليه وحاجتهم إلى ذلك.

ولهذا قال العلماء: إنه إذا احتيج إلى طعام رجل، واضطر الناس إليه ألزم ببيعه منهم؛ مراعاة للضرر الذي هو الأصل في هذا، فإذا كان الشرع قد نهى الإنسان عن الضرر والضرار، فإنه من جهة الشرع مأمور بالإحسان إلى كل ذي روح؛ فضلا عن الإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه، فهو أولى بالرعاية وبالإحسان.

 

قال تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (البقرة: من الآية: 195) وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)، فهذه النزعة الإنسانية الكريمة، وهي نزعة الشفقة والرحمة تبرهن على نفي الضرر والضرار في دقيق الأمر، وجليله، وأن الشريعة في جميع أحكامها تتوخى العدل والسماحة والرفق.

 

وقد أكد ذلك الشاطبي بقوله: إن أدلة القرآن قد تأتي في معان مختلفة، ولكن يشملها معنى واحد شبيه بالأمر في المصالح المرسلة والاستحسان، فتأتي السنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد، فيعلم أو يظن أن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك الأفراد، بناء على صحة الدليل الدال على أن السنة إنما جاءت مبينة للكتاب، (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل: من الآية: 44).

فلا تجد في السنة أمرًا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية، أو دلالة تفصيلية.

 

·        الضرر لا يزال بالضرر

وقاعدة "الضرر يزال" تدخل في ضمنها، ويتفرع عنها قواعد عدة. يأتي في مقدمتها قاعدة "الضرر لا يزال بالضرر" فهذه القاعدة تعتبر قيدا لقاعدة "الضرر يزال" فشأنها معها شأن الأخص مع الأعم؛ لأنه لو أزيل الضرر بالضرر، لما صدق "الضرر يزال" فالأخص الضرر لا يزال بالضرر، والأعم الضرر يزال فكلما تحقق الأخص "الضرر لا يزال بالضرر" تحقق الأعم "الضرر يزال" فإذا أزيل الضرر بالضرر، فالضرر موجود.

ومعنى هذه القاعدة: أن الضرر لا يزال بمثله، ولا بأكثر منه بالأولى، بل يشترط أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير إن أمكن، وإلا فبالأخف منه، وفي بيان معنى هذه القاعدة، قال أستاذنا الدكتور جاد الرب رمضان: والضرر من المعاني الوجدانية، فليس لها حد معين ولا يقوى عليه أفصح البلغاء.

وقد ذكر الإمام السيوطي لهذه القاعدة فروعا؛ لتكون كالمنهج ليقيس الناس غيرها عليها، ونحن نذكر بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر:

·        فالمضطر إلى طعام لا يأكل طعام مضطر آخر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، فإن كان من معه الطعام مضطرا إليه، فهو أحق به؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) وثبت في حديث آخر: أن رجلا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله: معي دينار فقال: أنفقه على نفسك) .وإذا أخذ المضطر طعام غيره، وجب عليه أن يدفع ثمنه؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، فإذا تطوع له به فله أخذه بدون ثمن، وإذا كان فقيرًا؛ لأن طعامه على من قصده.

·        لو تزوج رجل امرأة فوجدها ضيقة الفرج وهو ذو عبالة بحيث إذا أتاها أدى إلى إفضائها، وأضر بها فليس له أن يعاشرها معاشرة الأزواج؛ لأن في معاشرتها إزالة ضرر بضرر، إذ هو بالمعاشرة يزيل ضرر بقاء مائه واحتباسه بضرر المرأة التي تزوجها بإفضائها، فإذا وجدت المرأة زوجها على نحو يضر بها رفعت أمرها إلى القاضي، وطلبت منه فسخ عقد النكاح للضرورة، وعلى القاضي أن يجيب طلبها بفسخ العقد، إذا قرر أهل الخبرة أن بقاء الزوج معها يؤدي إلى إفضائها، وأهل الخبرة أربع طبيبات أو قوابل أو طبيبين إذا لم توجد الطبيبات، قياسا على الشهادة.

 

ما يستثنى من الفروع لهذه القاعدة، وهي قاعدة "الضرر لا يزال بالضرر" ومنها: ما لو كان أحد الضررين أعظم، فإنه يرتكب الضرر الأخف؛ لدفع الضرر الأعظم، وذلك في مثل القصاص والحدود، فإن القصاص من القاتل، وإن كان فيه ضرر لكن قتله أخف من ضرر تركه، حتى لا يشيع القتل في الأمة.ولا شك أن شيوع القتل في الأمة أعظم ضررًا من القصاص، فكان في القيام بحد القصاص ما يدفع عن الأمة هذه الأضرار التي تلحق بها، بسبب عدم القصاص، إذ يتجرأ الناس على القتل بغير الحق، بل القصاص فيه حياة قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة: من الآية: 179).

 

وقتل تارك الصلاة ضرر، ولكن الضرر في عدم قتله أغلظ وأعظم؛ لأنه يدعو إلى تهاون الناس في ترك الصلاة، وهي أهم ركن من أركان الدين الإسلامي، وهو الصلاة.

 

·        يحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام

 

 من القواعد التي تدخل ضمنًا في قاعدة "الضرر يزال"، قاعدة "الضرر لا يزال بالضرر" وقاعدة "يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" وهي قاعدة مهمة مبنية على مقاصد الشريعة في مصالح العباد، واستخرجها الأئمة المجتهدون من الإجماع، ومعقول النصوص.

 فالشرع إنما جاء؛ ليحفظ على الناس دينهم، وأنفسهم، وعقولهم وأنسابهم وأموالهم، فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها، فهو مضرة يجب إزالتها ما أمكن، وفي سبيل تأكيد مقاصد الشريعة يدفع الضرر الأعم، بارتكاب الضرر الأخص؛ ولهذه الحكمة شرع حد القطع حماية للأموال، وشرع قتل الساحر المضر، والكافر المضل؛ لأن أحدهما يفتن الناس، والآخر يدعوهم إلى الكفر، فيتحمل الضرر الأخص، ويرتكب لدفع الضرر الأعم.

 هذا هو معنى القاعدة، ولهذه القاعدة تطبيقات، ومن تطبيقات هذه القاعدة:

·        وجوب قتل قاطع الطريق، إذا قتل بأي كيفية، وبدون قبول عفو عنه من ولي القتيل؛ دفعا للضرر العام

·        ووجوب قتل كل مؤذٍ لا يندفع أذاه إلا بالقتل، كما أفتى بذلك بعض المتأخرين

·         ووجوب نقض الحائط المتوهن إذا كان في الطريق دفعًا للضرر العام، وجواز التسعير إذا تعدى التجار في بيعهم بالغبن الفاحش؛ دفعًا للضرر العام.

·        وجواز الحجر على الطبيب الجاهل؛ دفعا للضرر العام

·         وبيع الفاضل من الطعام على المحتكر إذا كان يزيد عن قوته وقوت عياله إلى وقت السعة

·        وجواز الحجر على المفتي الماجن؛ حرصا على دين الناس

·         وجواز قتل الكفار إذا تترسوا بصبيان المسلمين

·         وجواز الحجر على السفيه عند الصاحبين دفعا للضرر العام

·         وبيع مال المديون المحبوس لقضاء دينه دفعا للضرر العام عن الغرماء، وهو المعتمد.

 

وبناء على ما تقدم، فإنه إذا وجدت المصلحة العامة، والمصلحة الخاصة فإن المصلحة العامة هي المقدمة مثل القيام بشق طريق، أو جسر لمصلحة العامة، فقد يوجد عمارة لشخص ما كما هو حاصل ومشاهد في المدن وغيرها، أثناء تيسير الطريق للمترو كمترو الأنفاق مثلًا ، فمن أجل دفع الضرر العام، يتحمل الضرر الخاص في مثل هذه الظروف، وقد أزيلت عمارات يملكها أشخاص؛ دفعًا للضرر العام، ومثل هذا كثير وواقع ومشاهد في كل العصور والأزمان. وبناء عليه فإن الضرر الذي سيلحق بعامة الناس، يدفع بارتكاب الضرر الخاص.

 

·        الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف

ومن القواعد المكملة لقاعدة "الضرر يزال" ومتداخلة معها قاعدة "الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف".

فلو أن أحد الضررين كان أعظم، فعندئذٍ نزيل الضرر الأعظم بارتكاب الضرر الأخف، ومن أمثلة ذلك:

 القصاص والحدود، وقتال البغاة، ودفع الصائل، والإجبار على قضاء الدين، والنفقة الواجبة، والظفر بالحق، وأخذ المضطر طعام غيره، وقطع شجر الغير، وشق بطن الميت، ورمي الكفار، وطلب القسمة في الشفعة، وغير ذلك من المسائل.

 ولكون الضرر الأخف يحتمل لدفع الضرر الأعظم، شرع القصاص في القتل العمد العدوان، فإن في قتل القاتل ضررًا ، ولكن قتله أخف من ضرر تركه حتى لا يقع القتل، ويشيع في الأمة، ولا شك أن شيوع القتل أعظم ضررا من ضرر القصاص

.

·        إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما

ومن القواعد المكملة لقاعدة "الضرر يزال" قاعدة: "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما" ومعنى هذه القاعدة: أن الأمر المتردد بين ضررين إذا كان أحدهما أشد من الآخر، فإنه يتحمل الضرر الأخف؛ لدفع الضرر الأشد، ولمراعاة أعظمهما تكون بإزالته؛ لأن المفاسد تراعى نفيًا، كما أن المصالح تراعى إثباتا، فمن ابتلي بذلك فواجبه أن يختار أهون الشرين، وأخف الضررين.

 إذا كان الأمر كما ذكرنا فهل قاعدة "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف" هي: عين قاعدة "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما" قد يقال هذا: ولكن الأولى من ذلك تخصيص القاعدة الأولى بالضرر الواقع، وأمكن إزالته بالأخف، وذلك مثل ما لو غصب شخص أرضًا وبني عليها أو غرس فيها غرسًا، ثم طلبها المالك من الغاصب، فيأمر بقلع البناء أو الغراس، مهما بلغت قيمته فإذا كان قلع البناء، أو الغراس يضر بالأرض، فإن المالك يمتلك ذلك بقيمته مستحقا للقطع، وأما هذه القاعدة فتختص بما إذا تعارض الضررين، ولم يقع واحد منهما، وهذا أقوى من دعوى التكرار؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد إذا أمكن، وإلى هذا التخصيص يشير إليه التعبير في القاعدة الأولى "الضرر يزال" وفي هذه بقوله: "إذا تعارضت" وذلك للتفريق بينهما.

 

إذا عرفنا ذلك فإننا ننتقل إلى إقامة الدليل لهذه القاعدة، وهذه القاعدة يستدل لها بحديث الأعرابي، الذي بال في المسجد حيث نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن زجره تفاديا لحدوث ضرر أشد بارتكاب الأخف؛ دفعا له، وهذا معناه أن من ابتلي ببليتين وهما متساويتان، فإنه يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلف فإنه يختار أهونهما؛ لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا لضرورة.

 

 فإذا تعارضت مفسدتان، ولا مفر من دفع واحدة منهما لا محالة، ففي هذه الحالة نرتكب أخفهما دفعا لأعظمهما ضررا؛ لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، فقد قال -صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا به ما استطعتم).

 

وفي ذلك ما يروى عن بعض الصالحين قولهم: "التخلية قبل التحلية" أي: أن تصفية النفس من النقائص، وتخليتها من الذنوب، يكون قبل تحليتها بالفضائل، وهذا كله يدل على أن ترك المحظورات أهم من فعل المأمورات، لما يترتب على المنهي عنه من الضرر المنافي لحكمة الشارع في النهي، فلو لم يجدك الله حيث أمرك أحسن مما لو يجدك حيث نهاك.

 

 أما في جانب المنهيات، فلم يسامح في الإقدام عليه خصوصا الكبائر، فقد حرم مقدمتها، وكان كذلك مقدمة الحرام حراما، كما أن مقدمة الواجب واجبةً.

 

وحرم الشارع وسائل المنهيات، كالنظر بالنسبة للزنا، كما حرم التهديد بالقتل، كما لا يجوز لإنسان أن يستعين بآخر على قتل نفسه، وهذا معناه أن "درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة" بشرط أن تكون المفسدة راجحة.

 أما إذا كانت المفسدة مرجوحة، فتقدم المصلحة، ولا ينظر إلى المفسدة؛ لذلك قال السيوطي: وقد تراعى المصلحة على المفسدة المرجوحة، ومما يراعى فيه المصلحة لغلبتها على المفسدة التكلم بالكذب، فإن التكلم بالكذب مفسدة، ولكن إذا أريد به إصلاح ذات البين، فيجوز على قدر الحاجة إليه؛ لأن قبح الكذب الذي لا يضر إذا تضمن مصلحة تربو على قبحه، أبيح الإقدام عليه تحصيلا لتلك المصلحة، وهناك أمثلة مستثناة من هذه القاعدة، وهذه الأمثلة أخذت حكما مخالفا لحكم القاعدة.

 

 ومن هذه الأمثلة المستثناة من قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" :

الصلاة مع اختلال شرط من شروطها كالطهارة، وستر العورة، والاستقبال للقبلة، فإن ذلك مفسدة في الصلاة لما فيه من الإخلال بجلال الله تعالى في أن يناجي ربه إلا على أكمل الأحوال، ومتى تعذر شيء من ذلك جازت الصلاة بدونه؛ تقديمًا لمصلحة فعل الصلاة على مفسدة تركها؛ لفقد شرط من شروطها، فالصلاة بدون وضوء أو تيمم مصلحة راجحة، وعدم الصلاة مفسدة مرجوحة، فيقدم فعل الصلاة على تركها؛ مراعاة للمصلحة؛ وتقديما لها على المفسدة المرجوحة.

 

 ولهذا فمن أراد الصلاة، ولا يجد ما يستر به عورته، فإنه يصلي من قعود عند الحنفية؛ لأنه أستر له، وهذا واجب مراعاة لحق الصلاة والناس؛ ولأن ترك القيام أهون من كشف العورة، وخالف الشافعية في ذلك فقالوا يصلي عاريا من قيام، ويتم جميع الأركان، فيتم ركوعه وسجوده، ولا إعادة عليه في الأصح.

 

·        إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع إلا إذا كان المقتضي أعظم

 ننتقل إلى قاعدة مماثلة للقاعدة السابقة، وهي: "إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع إلا إذا كان المقتضي أعظم" والمراد بالمقتضي هنا: الأمر الطالب للفعل، فوجود المانع يمنع من الفعل غالبًا، وهذا من باب تغليب جانب الحرمة على جانب الحل.

 فبناء على هذه القاعدة، فإنه إذا اجتمع الحلال والحرام، أو اجتمع المبيح والمحرم غلب الحرام على المبيح؛ لأنه في تغليب جانب الحرمة درء مفسدة وتقديم المانع على المقتضي. ومن ثم فإنه إذا تعارض دليل يقتضي التحريم، وآخر يقتضي الإباحة قدم الحظر في الأصح تغليبا للتحريم ودرءا للمفسدة.

 

الفروع المندرجة تحت هذه القاعدة:

·        أن التجارة في المحرمات ممنوعة، ومنها الخمر والمخدرات بكل أنواعها، ولو أن فيها أرباحا كثيرة، ومنافع اقتصادية هائلة، ومنها الرشوة والسرقة والميسر، وصنوف المقامرة وجميع المعاملات التي يخالطها الغبن والغش والاحتقار؛ لأنها طرق خبيثة، وكل الطرق المؤدية إلى الخبيث، وإلى الثراء المحرم في التجارة والمعاملات كل ذلك حرام، وعلى الفرد أن يلتزم التزاما دقيقا بتركها، وأن يتبين أن كسبه حلال، وأن وسيلته في هذا الكسب فوق الشبهات.

 

·        إذا اشتبهت امرأة محرمة بأجنبيات محظورات أو محصورات، فإنه لا يحل الزواج بإحداهن، وأيضا إذا اختلطت زوجته بغيرها، فليس له الوطء بالاجتهاد؛ لأنه لا مجال بالاجتهاد في المحرمات، لكن هناك أمور مستثناة يستثنى من ذلك ما لو اختلطت امرأة محرمة، بنسوة قرية كبيرة، فله النكاح منهن مع اختلاطهن بمحرمة؛ لنضرة الوقوع في الحرام.

 

·        لو جمع في عقد واحد بين من تحل له، وبين من لا تحل، كمن يجمع بين مسلمة ووثنية، أو يجمع بين أجنبية ومحرم، جاز العقد فيمن تحل وبطل في غيرها؛ لأن لكل واحدة حكمها المستقل بها.

 

·         إذا اختلط الواجب بالمحرم، فتراعى مصلحة الواجب، كاختلاط موتى المسلمين بالكفار، فإنه يجب غسل الجميع؛ نظرا لإقامة المصلحة ذلك في حق المسلمين.

 وقيل: لا يصلى على الجميع، بل ينوي الصلاة على المسلمين خاصة، ويميز بالنية المسلم من غيره، ودليله ما احتج به البيهقي بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، فسلم عليهم.

 

5- قاعدة: العادة محكمة

  وهذه القاعدة معناها: أن العادة عامة كانت، أو خاصة تعتبر محكمة عند النزاع؛ لإثبات حكم شرعي لم يقم دليل ينص على خلافه بخصوصه، أو قام الدليل ولكنه كان عامًّا؛ لأن العادة دليل يبنى عليه الحكم الشرعي، ويجب أن يكون معلومًا، أن النص أقوى من العرف والعادة.

فإذا وجد النص، فلا مجال للعمل بالعادة والعرف، وقد اعتبر الفقهاء العادة في استعمالاتهم، والمجتهدون في استنباط الأحكام، والقاضي فيما يرفع إليه من الدعاوى، إذا ما أصبحت العادة معهودة، وجارية بين الناس؛ لأن العادة مأخوذة من المعاودة بمعنى التكرار، فهي بتكررها ومعاودتها مرة بعد مرة أخرى، صارت معروفة، ومستقرة في النفوس والعقول، وصارت متلقاة بالقبول، والعرف والعادة بمعنى واحد، فهما لفظان مترادفان؛ لأن العرف هو ما استقر عليه الناس في عاداتهم وأعرافهم، وتلقته الطبائع بالقبول إلا أن العادة أعم من العرف؛ لأن العرف لا يكون إلا فيما تعارفه الناس جميعا، وهو العرف العام، ويكون فيما تعارفه أهل بلد بعينها، وهو العرف الخاص.

 

الأدلة التي على هذه القاعدة:

 وهذه القاعدة المشهورة الأساسية ترجع إلى نصوص من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، فإن العرف والعادة كان لهما نصيب وافر ملحوظ في تغيير الأحكام، بحسب تغيرها وعليهما يرتكز كثير من الأحكام، ومن الفروع الفقهية، ومن الآيات التي تدل على اعتبار هذه القاعدة، قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: من الآية: 228) وقوله سبحانه: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف) (النساء: من الآية 19) ووجه الدلالة من الآيتين: الكريمتين أن الله تعالى قد أرشد الزوجين في عشرتهما، وأداء حق كل منهما للآخر إلى المعروف المعتاد الذي يرتضيه العقل، ويطمئن إليه القلب. ولا شك أن ذلك متغير حسب الاختلاف بين المناطق والأحوال بين الناس، وهذا هو دليل الكتاب على هذه القاعدة.

 

وأما دليل السنة، فمن الأدلة في السنة المطهرة على تحكيم العادة في بعض الأحوال، قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة) ووجه الدلالة أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخيل وزرع، فاعتبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة لما كانوا أهل متاجر اعتبرت عادتهم في الوزن.

 

والمراد بذلك فيما يتقدر شرعًا، كنصب الزكاة، ومقدار الديات، وزكاة الفطر والكفارات ونحو ذلك، ولا يفهم من ذلك تعديل الموازين، والأرطال والمكاييل على حسب عيار أوزان أهل مكة، ومكاييل أهل المدينة، أو أن تكون حكما عند التنازع، فيحمل الناس عليها إذا تداعوا، وإنما المراد أنهما إذا اختلفوا في قدر المكيلة، والرطل، فإنهما يحملان على عرف البلد، وعادة الناس في المكان الذي حدث الخلاف فيه، ولا يكفل الناس أن يعطى أحدهم برطل مكة، ولا بمكيال المدينة.

 

 ومما يستأنس به في تأصيل هذه القاعدة، ما رواه أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال: (لما بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النساء التي أسلمن على الإيمان والتقوى، قامت امرأة فقالت: يا نبي الله إنّا كَلٌّ على أبنائنا وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: الرَّطْب تأكلنه، وتهدينه) والرَّطْب: الخبز والبقل والرُّطَب.

 

والحكمة بتخصيص الرطب أن خطبه أيسر، وليس هو مما يتكلف به، وقد حمل الترخص بذلك اعتبارًا بالعادة فقد جرت العادة بين الجيران والأقارب، أن يتهادوا رطب الفاكهة والبقول، وأن يغرفوا لهم من الطبيخ، وأن يتحفوا الضيف والزائر بما يحضرهم منها، فوقعت المسامحة في هذا الباب بأن يترك الاستئذان له، وأن يجري على العادة المستحسنة في مثله.

 

وفي ضوء تلك النصوص وغيرها اهتدى الأئمة إلى وضع هذه القاعدة، واحتكموا إليها في كثير من المسائل والقضايا؛ ولهذا قال القاضي شريح للغزالين عندما تحاكموا إليه، سنتكم بينكم يعني: عادتكم وطريقتكم بينكم معتبرة، فكل فعل رتب عليه الحكم، ولا ضابط له في الشرع، ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف والعادة.

 

والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها إحياء الموات، ومنها الحرز في السرقة، والأكل من بيت الصديق، وما يعد قبضا وإيداعا وإعطاء، وهدية، وغصبًا والمعروفة في المعاشرة، وانتفاع المستأجر بما جرت به العادة، وأمثال هذا كثير وهو يرجع إلى العرف والعادة المتبعة؛ لأن العادة محكمة.

 

·        استعمال الناس حجة يجب العمل بها

ومعنى هذه القاعدة أن عادة الناس حجة يجب العمل بموجبها، إذا لم تكن مخالفة للشرع؛ لأنه يستحيل تواطؤهم على الكذب والضلال؛ لكثرتهم واختلاف أقطارهم، ولكن لا مانع من تبدل الحكم المبني على استعمال الناس المخالف لنصوص الفقهاء المبني علي العرف، أو الاجتهاد والرأي، إذا تبدل العرف، وكان الاستمرار على الحكم السابق فيه مشقة تصيب العباد.

·        ومن ذلك عدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة الآن، فعلى الحاكم أن يتحقق من عدالة الشهود مع أن ذلك مخالف لما نص عليه أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- من الاكتفاء بظاهر العدالة، بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، ولكن أبا يوسف ومحمدًا نصا على أنه لا يكتفي بذلك الظاهر لفشوِّ الكذب في زمانهما.

·        ومن ذلك تضمين الساعي بالنميمة مع مخالفة ذلك لقاعدة الضمان على المباشر دون المتسبب، ولكن كثرة السعاة المفسدين، أفتوا بتضمين الساعي المفسد، ومن أهم فروع هذه القاعدة، أنه إذا استعان شخص بآخر على شراء عقار أو منقول، وبعد وقوع البيع طلب أجرة، فينظر إلى تعامل أهل السوق، فإن كان إعطاء الأجرة معتادًا في مثل هذه الحالة استحق أجرة المثل.

·         وكذلك يحكم بوقف الكتب الشرعية العلمية، والمصاحف الشريفة ويكون الوقف صحيحا، إذا تُعُورِف في بلد وقف المنقول مع أن الوقف غير صحيح في المنقول في الأصل.

 

·        إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت

 ومن القواعد المندرجة تحت قاعدة "العادة محكمة" قاعدة إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت وقاعدة "العبرة للغالب الشائع لا للنادر" وهاتان القاعدتان تعبران عن بعض شرائط العرف، فإن العرف لكي يعتبر صحيحًا، فإنه يشترط فيه الاطراد والغلبة والشيوع. والمراد من الاطراد في العرف أن يكون العمل به مستمرا، بحيث لا يتخلف في جميع الأوقات والحوادث، وقد يعبر عن الاطراد بالعموم، قال السيوطي: إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإذا اضطربت فلا تعتبر.

 

وقال ابن نجيم: إنما تعتبر العادة إذا اطردت، أو غلبت؛ ولذا قالوا في البيع: لو باع بدراهم أو دنانير، وكان في بلد اختلف فيه النقود مع الاختلاف في المالية، والرواج انصرف البيع إلى الأغلب؛ لأنه المتعارف فينصرف إليه.

 

وأما الغلبة فمعناها أن يكون العمل بالعرف كثيرا، ولا يتخلف إلا قليلا؛ لذلك قال الفقهاء: إن العادة المطردة في ناحية تنزل منزلة الشرط، كما تنزل منزلة الصريح من الأقوال في النطق بالأمر المتعارف.

 

 وقد فرع الفقهاء على ذلك بأن التوكيل في البيع المطلق، يتعين بثمن المثل، وغالب نقد البلد الذي فيه البيع؛ تنزيلا للغلبة منزلة النطق به صريحا، ( فلو لم تطرد العادة في البلد، ولم تكن لها الغلبة في ذلك وجب البيان وإلا بطل البيع) فالمراد بالغلبة هنا أن يكون جريان أهله عليه حاصلًا في أكثر الحوادث، أو عند أغلب الناس فالاطراد والغلبة والشيوع شرط لكي يعتبر العرف صحيحا، والمراد من الشيوع هنا اشتهار العمل بذلك العرف، وانتشاره بين الناس، وإذا كان العرف الخاص لا يعتد به في الأصح في تخصيص النص أو الأثر، فالأولى بذلك العرف النادر استعماله. وأما عند تساوي عمل الناس، وعدمه بالعرف أو العادة، فيسمى حينئذٍ عرفًا مشتركا، والعرف المشترك لا يصلح مستندا ودليلا للرجوع إليه في تحديد الحقوق، والواجبات المطلقة.

 

وقد ضرب الفقهاء مثلا للعرف المشترك فقالوا: إذا جرى عرف البلد الذي حدث فيه الزواج بأن جهاز الأب لابنته من ماله، يعتبر عارية ووجد عرف آخر لهذا البلد، بأنه يعتبر هدية وتساوى العرفان: قام الأب بتجهيز ابنته من ماله، وزفت بهذا الجهاز إلى بيت زوجِهَا، ثم حدث نزاع بينهما، واختلف في أن الجهاز هل هو عارية أو هدية فادعى الأب أنه عارية؛ ليتسنى له الرجوع عليها واسترداد الجهاز منها، وطالب برده إليه، وأنكرت البنت ذلك وادعت أنه هبة وتمليك، وأنه لا يملك حق الرجوع عليها؛ لأن من موانع الرجوع في الهبة القرابة المحرمية، ولم يكن لأحدهما بينة على دعواه، لم يصلح هذا العرف المشترك دليلًا مرجحًا لدعوى أحد الخصمين؛ لتعارض العرفين، ولا مرجح لأحدهما على الآخر؛ لتساويهما، وحينئذٍ يكون القول للأب بيمينه، فيحكم له بالدعوى.

وأما إذا كان أحد العرفين غالبا عمل به، ولم يلتفت إلى الآخر، ويكون القول لمن يشهد له العرف الغالب بيمينه، فيحكم له بدعواه، إذا لا تعارض حينئذٍ بين العرفين لعدم تساويهما، وترجيح أحدهما على الآخر يقوي العمل به.

·        المعروف عرفا كالمشروط شرطا

فهذه القاعدة معناها: أن ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم، وإن كان لم يذكر صريحا هو قائم مقام الشرط في الالتزامات، ويعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح.

ومن العرف الجاري أن المستفيد من سند الأمرإذا وقع في ظهره توقيعا مجردا على بياض وسلمه لشخص، كان هذا التوقيع حوالة منه إلى المستلم، أو إلى من يختاره المستلم، وإذا وقع شخص على صك يعتبر رضا بالعقد في عرف الناس اليوم؛ لأن التوقيع إنما يوضع عادة للتعبير عن الرضا، والموافقة.

 

 ومثل ذلك أيضا أن توابع العقود التي لا ذكر لها في العقود تحمل على عادة الناس في كل بلد، فمن اشترى سيارة مثلا دخل فيها العدة اللازمة لها، والخاصة بها، وتدخل أيضا مفاتيحها، ويدخل عجلها الاحتياطي بدون ذكر لذلك في العقد، للعرف المتداول وللعادة الجارية، وغني عن البيان أن الشرط المتعارف يكون قائما مقام الشرط، إذا لم يكن مصادمًا لنص من النصوص الشرعية، فإذا كان مصادمًا لنص شرعي فلا يكون معتبرا، فلو أن الناس تعارفوا على تضمين المستعير، أو على تضمين المستأجر إذا ما تلفت العين المعارة أو المستعارة، بدون تعدٍّ منه ولا تقصيرٍ ينسب إليه، لا يعتبر ذلك التعارف، ولا يراعى؛ لأنه مصادمٌ لما ورد به الشرع.

 

·        المعروف بين التجار كالمشروط بينهم

وهذه القاعدة في معنى قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" إلا أن القاعدة السابقة في مطلق العرف، وهذه القاعدة خاصة في عرف التجار، فإذا وقع التعارف والاستعمال بين التجار على شيء غير مصادمٍ للنص، فإن هذا العرف الجاري بينهم يتبع وينصرف التعامل إليه عند الإطلاق، ولا تسمع دعوى من يقول بخلافهكما لو باع التاجر شيئا، وقد جرى العرف على أن يكون الثمن حالا أو على أن يكون دفع الثمن منجما على نجوم معلومة، ويكون ذلك العرف مرعيًا، فينزل منزلة الشرط الصحيح.

 

وخلاصة القول: أن قاعدة المعروف بين التجار كالمشروط بينهم، تفيد اعتبار العرف الخاص كعرف التجار بينهم، وأرباب الحرف والصناعات، وكذلك العرف الخاص ببلد معين أو بطائفة معينة، فإنه معتبر في تصرفات أهله الذين تعارفوه، وينزل بينهم منزلة العرف العام، كما يلزمون به دون غيرهم مما لم يتعارفوا عليه؛ لأنه لا يحمل أحد على عرف غيره؛ لأنه غير معلوم له.

 

س2: من أول من ألف في القواعد الفقهية.

يعد الإمام الشافعي -رضي الله عنه- هو أول من دَوَّنَ في أصول الفقه، والحنفية كان لهم قصب السبق في تقعيد القواعد؛ نظرًا لطبيعة مذهبهم القائم على كثرة الفروع والتخريجات.

فقد جاء في كتاب (الأشباه والنظائر) لابن النجيم و(الأشباه والنظائر) للسيوطي أن الإمام أبا طاهر الدباس الحنفي قد جَمَعَ قواعد مذهب أبي حنيفة في سبعِ عشرة قاعدة، فسمع أبو سعيد الهروي من فقهاء الشافعية سبعًا من هذه القواعد، وأبلغها لأصحابه فذاعت وانتشرت واشتهرت، والإمام محمد بن سفيان أبو طاهر الدباس من فقهاء القرن الرابع الهجري المشهود لهُ بأهلية التخريج والترجيح، وهو أقدم من يروى عنه بعض القواعد في مذهب الإمام أبي حنيفة، وكان يوصف بالحفظ وكثرة الروايات وبضبط الفروع بالقواعد الفقهية، لكنه كان -رضي الله عنه- بخيلًا بعلمه ضنينًا به، يحتفظ به لنفسه، ويردده بعيدًا عن الناس.

س3: أذكر مؤلفين في القواعد الفقهية في كل مذهب مع الترجمة لأصحابها.

أولاً: قواعد الحنفية:

ولعل أول محاولة في تدوين القواعد ما قام به أبو طاهر الدباس إمام الحنفية بما وراء النهر بالعراق، وهو ممن عاش في القرنين الثالث، والرابع للهجرة، حيث جمع سبع عشرة قاعدة كلية؛ فكانت هذه القواعد حافزًا للإمام أبي الحسن الكرخي أن يأخذها، وأن يضيف إليها غيرها، إلى أن أوصلها إلى تسع وثلاثين قاعدةً.

 ثم جاء أبو زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي الحنفي، فدوَّن كتابه (تأسيس النظر) ضمنه طائفة مهمة من القواعد الفقهية العامة، والخاصة مع التفريع على كل منها، وفوائد جمة، واستطرادات كثيرة من مجموعة من الضوابط الخاصة، والأفكار التوجيهية لرجال المذهب في بيان طرق الاستنباط، فكان كتاب (تأسيس النظر) بداية حركة التقعيد، وتدوين القواعد في أواخر القرن الثالث الهجري.

ثم جاء ابن نُجَيم المتوفى سنة 970 فألف كتابًا هامًّا سماه (الأشباه والنظائر) جمع فيه خمسًا وعشرين قاعدة، وصنفها إلى نوعين:

 النوع الأول: قواعد أساسية، وهي كالأركان في المذاهب الفقهية، وهي ست قواعد: الأمور بمقاصدها، والضرر يُزال، والعادة محكَّمة، واليقين لا يزول بالشك، ولا ثواب إلا بالنية.

 النوع الثاني: يشتمل على تسع عشرة قاعدة، في موضوعات مختلفة أقل اتساعًا، وشمولًا، يتفرع عنها بعض قواعد فرعية أخرى، وأحكام كثيرة.

 ومن محاسن هذا الكتاب: أن أسلوبه سهل يوصل أدق المعلومات، وأجلها خطرًا، وأكثرها عمقًا إلى الغير، دون أن يشعر ذلك الغير بملل، أو سآمة، أو تعقيد.

تراجم:

·        محمد بن محمد بن الحسن بن سفيان أبو طاهر الدباس. كان إمام أهل الرأى بالعراق وكان من أهل السنة والجماعة وكان من أقران عبد الله الكرخى كان يوصف بالحفظ ومعرفة الروايات. ولى القضاء بالشام أخرج منها إلى مكة فمات بها. ذكر الحموى أن الدباس نسبة إلى بيع الدبس الماكول.

·        زين الدين بن ابراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم ، من أهل مصر فقيه وأصولي حنفي ،كان عالماً محققاً ومكثراً من التصنيف .أخذ عن شرف الدين البلقيني وشهاب الدين الشلبي وغيرهما .أجيز بالإفتاء والتدريس وانتفع به خلائق، من تصانيفه : ((البحر الرائق في شرح كنز الدقائق ))،و((الفوائد الزينية في فقه الحنفية))،و((الأشباه والنظائر))،و((شرح المنار)) في الأصول.

 

ثانيا:- قواعد المالكية:

أما المالكية، فربما كان أول من كتب في القواعد أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي، المولود سنة 626، والمتوفى سنة684 واشتهر كتابه لدى العلماء، والطلاب بـ(فروق القرافي) وهو من أجل كتب القواعد، ومن أغزرها مادة؛ فقد ضمنه ثمانيًا وأربعين وخمسمائة قاعدة، كما صرح بذلك في مقدمة الكتاب، وعمله هذا لم يُسبق بمثله.

 

وألف كذلك في القواعد الفقهية في مذهب الإمام مالك الفقيه محمد بن أحمد بن عبد الله بن جُزَي من أهل غرناطة، المتوفى سنة 756، هذا العالم ألف كتابًا أسماه (القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، والتنبيه على مذهب الشافعية، والحنفية، والحنابلة) وهو تأليف جيد يذكر فيه المسألة، ثم يوضح آراء الفقهاء فيها، وهو مع هذا يعتبر من فقهاء الفقه المقارن.

تراجم:

·        أحمد بن أبي العلاء: إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله الصنهاجي البهنسي المصري: الإمام العلامة وحيد دهره وفريد عصره - أحد الأعلام المشهورين انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك رحمه الله تعالى وجد في طلب العلوم فبلغ الغاية القصوى دلت مصنفاته على غزارة فوائده وأعربت عن حسن مقاصده جمع فأوعى وفاق أضرابه جنساً ونوعاً.

·        محمد بن احمد بن عبد الله بن يحيى ابن عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن جزى، فقيه، مقرئ، خطيب، مشارك في علوم.

 

ثالثا:- قواعد الشافعية:

فأبرز مؤلفاتهم في القواعد الفقهية كتاب (الأشباه والنظائر) لتاج الدين السبكي، والمولود بالقاهرة عام 729، والمتوفى عام 771 وهو كتاب يتسم بغزارة مادته العلمية، وبعمقها البالغ؛ فقد تضمن هذا الكتاب النفيس مباحث في غاية الأهمية، قل أن يتعرض لها كتاب من كتب الأشباه والنظائر، وتكلم في كتابه عن القواعد الخمس، والقواعد العامة التي تلي القواعد الخمس، من حيث: الشمول، والعموم، والقواعد الخاصة بأبواب الفقه المندرجة تحتها، ويمتاز كتابه هذا بالدقة المتناهية، والإحاطة التامة بكل أبعاد النقاط التي عالجها، لدرجة أنه يدخل في نطاق القواعد الكلية أنواعًا أخرى من الضوابط وغيرها، بينما هي ليست من القواعد في شيء.

 وممن ألف في هذا الفن من فقهاء الشافعية الإمام عز الدين بن عبد السلام، المولود سنة سبع أو ثمانٍ وسبعين وخمسمائة هجرية، والمتوفى سنة ستين وستمائة هجرية، فقد صنف في قواعد الفقه كتابين، أحدهما: (القواعد الكبرى) وعنه قال صاحب كشف الظنون: ليس لأحد مثله، وكثير منه مأخوذ من (شعب الإيمان) للحُلَيْمي.

وثانيهما: (القواعد الصغرى) وقد كتب القاضي عز الدين محمد بن أحمد بن جَماعة -المتوفى سنة تسع عشرة وثمانمائة- ثلاثة شروح، وثلاث نكت على (الصغرى).

وكتاب العز بن عبد السلام المسمى بالقواعد الصغرى هو الكتاب المعروف باسم (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) وهو كتاب عظيم النفع، جليل القدر، ذو قيمة علمية عالية في بيان مقاصد الشريعة من تشريع الأحكام، ويدور محور هذا الكتاب حول بيان المصالح والمفاسد، فالمصالح: هي كل ما أمر الله به، والمفاسد: هي كل ما نهى الله عنه، وفي هذا يقول عز الدين بن عبد السلام: فكل مأمور به فيه مصلحة الدارين، أو فيه مصلحة أحدهما، وكل ما نهى عنه فيه مفسدة فيهما، أو في إحداهما، وبهذا فقد أرجع قواعد الفقه، وأرجع فروعه إلى جلب المصالح، ودرء المفاسد، بل أرجع الكل إلى اعتبار المصالح وحدها؛ لأن درء المفاسد من جملتها، فمتى تحققت المصلحة، دُرئت المفسدة.

تراجم:

·       تاج الدين السبكي (727 - 771 ه = 1327 - 1370 م) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر: قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث.ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها سنة 771هـ.

·        الحافظ الإمام قاضي القضاة عز الدين أبو عمر عبد العزيز ابن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الأصل الدمشقي المولد ثم المصري الشافعي، توفي سنة 767هـ

 

رابعا:- قواعد الحنابلة:

وأما الحنابلة، فيعتبر ابن رجب من أشهر المؤلفين في القواعد الفقهية، وله كتاب (القواعد في الفقه الإسلامي) وضعه في تقرير القواعد، وتحرير المسائل، والفوائد، ومقدمة هذا الكتاب غاية في الاختصار، والإيجاز، فلم يتعرض فيها لقاعدة، ولا لبيان أهمية هذا الفن، ولا لبيان من كَتب في فن القواعد من قبله.

 

 ومن مؤلفات الحنابلة في قواعد الفقه (القواعد الفقهية) المنسوبة إلى ابن قاضي الجبل، المُكنَّى بأبي العباس، الملقب بشرف الدين المقدسي الأصل، ثم الدمشقي، الشهير بابن قاضي الجبل، أخذ العلم عن الإمام تقي الدين ابن تيمية، وكان عالمًا، ضليعًا بالحديث وعلله، والنحو، واللغة، نزع في آخر حياته إلى مصر، فأقبل عليه أهلها إقبالًا عظيمًا، وتفوق على أقرانه، وأصبح شيخ الحنابلة في عصره، وله مؤلفات عديدة منها: كتابه (القواعد الفقهية) وهو كتاب عظيم، وأسلوبه فيها أسلوب واضح، ونجده في كثير يذكر السؤال والجواب، وأحيانًا يذكر القاعدة أولًا، ثم يُتبِعها الفروع المتعلقة بها، واعتمد في ذلك على كتاب (المحرر في الفقه) والمسوَّدة في (أصول الفقه) فساق منهما فروعًا كثيرة في المذهب.

 

تراجم:

·        عبد الرحمن بن احمد بن رجب بن الحسن ابن محمد بن مسعود البغدادي، الدمشقي، الحنبلي، الشهير بابن رجب (زين الدين، جمال الدين، أبو الفرج) محدث، حافظ، فقيه، أصولي، مؤرخ، ولد ببغداد، وقدم مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة 744 ه وسمع بمكة وبمصر، وتوفي بدمشق في 4 رمضان، ودفن بالباب الصغير.

·        أحمد بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن أحمد ابن قدامة المقدسي الاصل، الدمشقي، الحنبلي المشهور بابن قاضي الجبل شرف الدين، أبو العباس قاضي القضاة، عالم بالحديث والفقه، والنحو، واللغة، والأصلين، والمنطق ولد في شعبان، وتوفي بدمشق في 14 رجب.

س4: ذكر العلماء أن إباحة الممنوع ـ سواء كان على وجه التحريم، أو الكراهة ـ تأتي على خمس مراتب. اذكرها.

وقد ذكر العلماء أن إباحة الممنوع ـ سواء كان على وجه التحريم، أو الكراهة ـ تأتي على خمس مراتب:

المرتبة الأولى: وهي مرتبة الضرورات، والضرورات هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا للجماعة، وللأفراد بحيث لا يستقيم النظام باختلالها، وتئول حالة الأمة، أو حالة الأفراد إلى فساد، وتفوت حياة الناس في هذه الدنيا، وفي الآخرة يكون بفوات النجاة، والنعيم والرجوع بالخسران المبين.فإذا وصل الإنسان إلى الحد الذي يجعله إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب الهلاك ففي هذه الحالة يباح له أن يتناول الحرام: كالخمر والميتة والنطق بكلمة الكفر، هذه هي المرتبة الأولى، وهي أشدها أقواها.

 

المرتبة الثانية: مرتبة الحاجة، والحاجة أقل من الضرورة، وهي كل ما تحتاج إليه الأمة، وكل ما يحتاج إليه الأفراد من حيث التوسعة، ورفع الحرج، وانتظام الأمور، بحيث إذا لم تراع دخل على المكلفين الحرج، ودخل عليهم المشقة من غير أن يبلغ مبلغ الفساد المتوقع، لكنه على حالة غير منتظمة، وذلك كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح الحرام، ويبيح الفطر في الصوم، فالمشقات والحاجات تبيح الرخص، ولا تبيح المحرمات، هذه هي المرتبة الثانية.

 

المرتبة الثالثة: وهي المنفعة، وهي كالذي يشتهي خبز الحنطة، ولحم الغنم والطعام الدسم، فهي لا تتعلق بإباحة محظور، ولا حاجة. تلك هي المرتبة الثالثة.

 

المرتبة الرابعة: وهي الزينة كالذي يشتهي الحلوى، والسكر أو يشتهي الثوب المنسوج من حرير الكتان، أو يشتهي الفواكه الغالية أو النادرة، أو لحم الغزال.

المرتبة الخامسة: وهي الفضول، والفضول جمع فضل، والفضل معناه الزيادة، وهو كل أمر تردد بين الحل والحرمة، ومن ذلك التوسع بأكل الحرام، أو الشبه كمن يريد استعمال أواني الذهب، أو يريد شرب الخمر.فهذه هي مراتب ما يحتاج إليه الإنسان، وما تحتاج إليه النفس في هذه الدنيا، وقد تدخل الضرورة في حله وحرمته وقد تدخل فيه الرخصة، وقد لا تدخل.

 

س5: اذكر الفرق بين :

v    القواعد الأصولية والقواعد الفقهية.

 

اهم الفروق بين القواعد الاصولية والقواعد الفقهية:

 

الاول: ان القواعد الاصولية كلية تضم جميع جزئياتها كقاعدة : الأمر للوجوب : قاعدة كلية تنطبق على قول الشارع " وأقيموا الصلاة" وعلى قوله " وآتوا الزكاة" وكقاعدة : النهي للتحريم . تنطبق على الكذب والسرقة والقذف والزنا . وغيرها من الجزئيات, بخلاف القواعد الفقهية حيث انها اغلبية.

 

الثاني : ان القواعد الاصولية أدلة للاحكام  الشرعية بخلاف القواعد الفقهية حيث انها مجموعة من الاحكام المتشابهة ترجع الى علة واحدة تجمعها , والغرض منها هو تسهيل المسائل الفقهية فقط.

 

الثالث: ان القواعد الاصولية قد وجدت قبل الفروع لأنها القيود التي التزم بها الفقيه عند استنباطه ككون ما جاء في القرآن مقدما على ما جاء في السنة ونص القرآن أقوى من ظاهره  بخلاف القواعد الفقهية فانها قد وجدت بعد وجود الفروع.

 

وقد أشار إلى أهمية القواعد الفقهية العلامة الشهاب القرافي في مقدمة كتابه (الفروق) أشار إليها بقوله: إن الشريعة المحمدية اشتملت على أصول وفروع، وأصول هذه الشريعة اثنان؛

 

أما أحدهما: فهو المسمى بأصول الفقه، وأغلب مباحثه في قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ، كدلالة الأمر على الوجوب، ودلالة النهي على التحريم، وصيغ الخصوص العموم، وما يتصل بذلك كالنسخ والترجيح، تلك هي أصول الفقه.

 

وثانيهما: القواعد الكلية الفقهية، وهي جليلة القدر، كثيرة النفع لها من فروع الأحكام ما لا يحصى، وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، وتتضح له مناهج الفتوى، ومن أخذ بالفروع الجزئية، دون القواعد الكلية؛ تناقضت عليه تلك الفروع واضطربت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات لاندراجها في الكليات، وتناسب عنده ما تضارب عند غيره.

 

v    الحاجة والضرورة.

المراد بالحاجة هنا ما كانت دون الضرورة، والضرورة الحالة الملجئة إلى ما لا بد منه، والفرق بين الحاجة والضرورة: أن حكم الأولى مستمر، وأن حكم الثانية مؤقت بمدة قيام الضرورة، إذ الضرورة تقدر بقدرها، والظاهر أن ما يجوز للحاجة إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوزه، أو تعامل أو لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه، وكان له نظير في الشريعة يمكن إلحاقه به، وقد جعل ما ورد في نظيره واردا فيه.وأما ما ورد فيه نص يمنعه بخصوصه، فعدم الجواز فيه واضح، ولو ظنت فيه مصلحة؛ لأنها حينئذ من قبيل الوهم.

v    المعروف عرفا كالمشروط شرطا و المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.

المعروف عرفا كالمشروط شرطا تعني أن ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم، وإن كان لم يذكر صريحا هو قائم مقام الشرط في الالتزامات، ويعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح.

و قاعدة المعروف بين التجار كالمشروط بينهم هي في معنى قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" إلا أن القاعدة السابقة في مطلق العرف، وهذه القاعدة خاصة في عرف التجار، فإذا وقع التعارف والاستعمال بين التجار على شيء غير مصادمٍ للنص، فإن هذا العرف الجاري بينهم يتبع وينصرف التعامل إليه عند الإطلاق، ولا تسمع دعوى من يقول بخلافهكما لو باع التاجر شيئا، وقد جرى العرف على أن يكون الثمن حالا أو على أن يكون دفع الثمن منجما على نجوم معلومة، ويكون ذلك العرف مرعيًا، فينزل منزلة الشرط الصحيح.

 

v     القواعد الفقهية والضوابط الفقهية. مثل للضابط الفقهي

نبه على ذلك بعض الأصوليين والفقهاء، فقالوا: والقاعدة لا تختص بباب واحد من أبواب الفقه، بل هي تنتشر في أبواب كثيرة، وفي موضوعات متعددة بخلاف الضابط، فالقاعدة تجمع فروعًا كثيرة من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد، وهذا هو الأصل في الفرق ما بين القاعدة والضابط.

وقد عرف محمد نعيم ياسين الضابط الفقهي بقوله: هو أصل فقهي يختص بباب من أبواب الفقه، يكشف عن حكم الجزئيات التي تدخل تحت موضوعه، هذا هو تعريف الضابط، ومن أمثلة الضابط: كل كفارة سببها معصية فهي على الفور، وهي كفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة الجماع في نهار رمضان، ومن الضوابط: شعر الحيوان في حكم المنفصل عنه؛ لا في حكم المتصل، ومن القواعد -أو من الضوابط-: كل شيء خرج من الأرض؛ قل أو كثر مما سَقَتِ السماء أو سُقِيَ بالعيون ففيه العشر.

ومن الضوابط: "كل ما يشك في نجاسته فحكم الأصل الأخذ بطهارته"، ومن القواعد: "التحريم مغلب في الأبضاع".

ومما يميز القاعدة عن الضابط -فوق ما ذكرنا-: أن القواعد أكثر شذوذًا من الضوابط؛ لأن الضوابط تضبط موضوعًا واحدًا، فلا يُتسامح فيها بشذوذٍ كثيرٍ.

وبعض العلماء نظرًا للتشابه بين القاعدة والضابط من حيث العموم يطلقون على الضابط قاعدة، ويسمون الضابط القاعدة الخاصّة، ويعبِّر عما هو أعم من الضابط بعنوان "القاعدة العامة".

 

ومن نماذج الضوابط في مجال السنة النبوية الشريفة المطهرة: ما رواه عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أيما إِهاب دُبِغَ فقد طهر)) فهذا الحديث يمثل ضابطًا فقهيًّا في موضوعه يغطي بابًا مخصوصًا، وهو طهارة الجلود المدبوغة، ومن هنا تختلف الضوابط الفقهية عن القواعد الفقهية؛ فإن مجال الضوابط الفقهية أضيق من مجال القواعد الفقهية؛ إذ أن نطاقها -أي: الضوابط- لا يتخطى الموضوع الفقهي الواحد الذي يُرْجَعُ إليه في بعض مسائله.

 

 

س6: علل للآتي: ( لما يذكر من تعليل أو حكمة؛ كأن يقول الكتاب: لأن أو والعلة أو والحكمة).

الحكمة غير العلة؛ لأن العلة مطردة، والحكمة غير مطردة؛ فهما مختلفان، وكل حكم شرعي له حكمة تظهر من مشروعيته، يدركها العقل غالبًا؛ فمثلًا الحكمة من مشروعية العدة للمطلقة، أو المتوفى عنها زوجها هي براءة الرحم، والحكمة من مشروعية الأذان الإعلام بدخول وقت الصلاة، والحكمة من خطبة الجمعة: توجيه المسلمين إلى ما ينفعهم في أمور الدين والدنيا معًًا.وهناك من الأحكام ما يسمى بالأحكام التعبدية، وهي التي لا يدرك لها علة، كالعدة بالنسبة للصغيرة التي لا تشتهي، إذا تزوجت وطلقت؛ فعليها العدة أيضًًا، وكذلك الوضوء للصلاة؛ فالحكمة فيه التعبد، وليس للنظافة؛ لأن فيه مسح الرأس، ولا تنظيف فيه.

لقد عرف الآمدي العلة بأنها: الوصف الباعث على الحكم، وفسر الباعث على الحكم باشتمال الوصف على حكمة تصلح أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، مثل جلب المصلحة، أو دفع المفسدة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ فمثلًا القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص، وهي علة مركبة من أجزاء هي القتل، والعمد، والعدوان، وكل جزءٍ على انفراد لا يوصف بالعلة، ولكن مجموع الأجزاء يحكم عليه بأنه علة.

والدوران معناه: وجود الحكم مع وجود الوصف، وانعدامه مع انعدام الوصف، وتوضيح ذلك: أن الله تعالى حين حرم الخمر حرمها لعلة هي الإسكار؛ فتحريم الخمر مع الإسكار؛ فإن التحريم يوجد مع وجود الإسكار، وينتفي مع انتفاء الإسكار؛ فمثلًا التحريم يوجد في عصير العنب إذا أسكر، وينعدم إذا زال الإسكار عنه بأن تخلل أي صار خلًا، وتحريم تفاضل في الربويات مع الطعم في التحريم يوجد عند وجود الطعم في المطعومات، وينعدم عند انعدام الطعم في غيرها كالحديد، والجبس؛ فلا يحرم فيها التفاضل فالعلة تكون دائمًا مطردة، والحكمة لا تكون مطردة.

 

س7: ما فائدة دراسة القواعد الفقهية؟.

·   أولًا: أنها تضبط الفروع المنتشرة المتعددة، وأنها تنظِمها في سلك واحد، وهذا يمكِّن من إدراك الروابط بين هذه الجزئيات المتفرقة، ويزود المطلع على تلك القواعد بتصور سليم، يدرك بها الصفات الجامعة بين هذه الجزئيات، وقد قال ابن رجب مبينًا هذه الفائدة: "إنها تنظم لدارسها منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد".

·    ثانيًا: أن القواعد في كل مذهب تعطي صورة كلية للمذهب، بحيث يسهل الوقوف على مسائله، وفروعه، وإدراك مراميه؛ لأن الإحاطة بالفروع الفقهية غير ممكن، كما أنها سريعة النسيان، ولا تثبت في الذهن، ويحتاج الرجوع إليها كل مرة إلى بذل جهد، ووقت، فلا بد من الرجوع إلى القاعدة التي تجمع تلك الفروع في مسألة واحدة، وهذا أمر محقق، ومتفق عليه؛ فإن الضبط بالقوانين، والقواعد الفقهية يسهل حفظ الفروع، ويُغني العالم بالضوابط عن حفظ أكثر الجزئيات؛ لاندراجها في الكليات، وتَناسب عنده ما تناقض عند غيره.

·   ثالثًا: أن فهم هذه القواعد، وحفظها يساعد الفقيه، والمفتي على فهم مناهج الفتوى، ويُطلعه على حقائق الفقه، ومآخذه، ويمكنه من تخريج الفروع بطريقة سليمة، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة.

·   رابعًا: أن هذه القواعد تساعد على معرفة مقاصد الشريعة، وأسرارها، فإن معرفة القاعدة العامة التي تندرج تحتها مسائل عديدة، يعطي تصورًا واضحًا عن مقاصد الشريعة في ذلك، فقاعدة: الضرر يُزال، يفهم منها أن رفع الضرر مقصد من مقاصد الشريعة.

·   خامسًا: أن تخريج الفروع استنادًا إلى القواعد الكلية يجنب الفقيه من التناقض، الذي قد يترتب على التخريج حسب المناسبات الجزئية، وقد نبه القرافي إلى هذا، فقال: "ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع، واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها، واضطربت، وضاقت نفسه لذلك، وقمصت واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر، ولم تقض نفسه من طلب مناها".

 

وبتعبير أدق، وكلمات موجزة محكمة، يحدثنا فضيلة أستاذنا الدكتور جاد الرب رمضان -رحمه الله- عن فائدة دراسة قواعد الفقه، فيقول: "فائدة دراسة قواعد الفقه هي الإلمام بكثير من الأشباه، والنظائر؛ ليتأتى الإلحاق، أي: القياس والتخريج، ولولا هذه القواعد لبقيت الفروع مشتتة وقد تتعارض ظواهرها، دون أصول تُمسِك بها". وقال ابن رجب في بيان أهداف القواعد الفقهية: إنها تنظم منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد به الشواهد، وتقرب على الفقيه كل متباعد.

 

س8: اذكر وجه الشبه بين عمل الأصولي وعمل الفقيه في القواعد الفقهية.

الأصولي يعتبر القواعدَ الأصوليةَ هي المعايير الصحيحة لاستنباط الأحكام الشرعيّة من منابعها الأساسيّة، فكذلك الفقيه يَعتبر القواعدَ الفقهيّةَ معيارًا لتنظيم فروع الفقه وجمع أحكامه المتنوِّعة والمتشعِّبة في زمرٍ متعدِّدة بمراعاته وحدة المناط؛ وبذلك تكون قواعدُ الفقه قد ضبطتْ مسائلَ الفقه ضبطًا محكمًا؛ بحيث لو لم توجد هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهيّة فروعًا متشتِّتة تتعارض ظواهرها دون أصولٍ تمسك بها، وتبرز فيها العلل الجامعة تعيّن اتجاهاتها التشريعية، وتمهِّد بينها طريق المقايسة والمجانسة.

س9: اذكر أثر القواعد الفقهية في التشريع الحديث.

القواعد لها دور بارز في التشريع الحديث ، وسوف نبدأ أولًا ببيان ما يراد بالتشريع الحديث ثم نبين أثر هذه القواعد في هذا التشريع، فنقول:

يراد بالتشريع الحديث: مجموعة القوانين التي تُنظِّم الروابط الاجتماعية، والتي تَقْسر الدولة الناس على اتباعها، ولو بالقوة عند الاقتضاء، ويبدو من هذا التعريف أن القواعد الفقهية والقواعد القانونية يتفقان في أن هذه القواعد تنظم الروابط الاجتماعية، وأنها مصحوبة بجزاء، ولكنهما يختلفان من حيث المصدر، والشمول، والغاية، والجزاء.

 

أما من حيث المصدر، فالقواعد الفقهية انبثقت أساسًا من تشريع إلهي، بحيث يكون من المستحيل أن نجد حكمًا تضمنته من غير أن يكون مستمدًّا من كتاب الله، أو سنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- أو مُسْتَلهمًا من روح الشريعة، ومقاصدها.

 وأما قواعد التشريع الحديث، فإنها منبثقة من عقل الإنسان، ومن قوانين الطبيعة -كما يقولون- لذلك كان تشريعًا ناقصًا كواضعه، ما دام لم يستند إلى تشريع إلهي.

 

وأما من حيث الشمول، فالقواعد المستمدة من شرع الله أشمل، وأعم، وأصلح، لكنها ترمي إلى تهذيب سلوك الإنسان مع خالقه، وسلوكه مع الأفراد، والجماعة، وترسم طريق الإصلاح، والصلاح للإنسان في العاجل، والآجل، بينما قواعد التشريع الحديث لا تهتم إلا بتنظيم علاقة الأفراد فيما بينهم، وعلاقتهم بالجماعة، أو بالمصلحة الدنيوية فقط.

 

أما من حيث الغاية، فالقواعد المستنبطة من تشريع الله غايتها تحقيق العدل، والعدالة معًا؛ لذلك نراها تخاطب وجدان الإنسان، في حين أن التشريع الحديث هدفه تحقيق العدل فقط، وهذه الامتيازات سادت جميع الأقطار الإسلامية، وقامت في ظلها حضارة فريدة لم تعرفها الإنسانية من قبل، علاوة على ما امتازت به إجراءاتها القضائية من التبسيط، وعدم التعقيد، وما تميز بها قضاؤها من سرعة البت، والتنفيذ؛ لهذا كانت القواعد الفقهية لا زالت أوسع نطاقًا من القوانين الوضعية، وأقدر على الإصلاح للإنسان في دنياه، وأخراه، وكان لها أثرها الواضح في التشريعات الحديثة، وقد استقرأ العلماء الأحكام المستنبطة من القرآن، والسنة، فرأوا أنها أحكام تفصيلية في العبادات، وفيما يُلحَق بها من الأحكام التي تتعلق بالأسرة كالزواج، والطلاق، والعدة، والميراث، وفيما عدا ذلك من أحكام المعاملات من عقود، وتصرفات، وعقوبات، وهذا يفسر مدى سعة الفقه الإسلامي، وشموله لكل ما يحتاج إليه الناس من أحكام، وتشريعات متنوعة في أمور دينهم، ودنياهم.

 

 

تمت بحمد الله

القواعد الفقهية

الدكتور/ محمد يحيى غيلان

 

أجاب عنها:

فوزي منصور الشاوش

ربيع الاخر 1430هـ - أبريل 2009 م

 

 



 

 

 


تعليقات الزوار

المدينة ورمضان

 
برمجة وتصميم ELSAQQA